فهرس الكتاب

الصفحة 9441 من 27345

أيضًا هناك غربة النفس، غربة الروح فبعض الناس ليس لديه القدرة على التكيف فقد يكون غريب وهو في بيته مع زوجته، غريب مع أطفاله، غريب مع أسرته، مع زملائه وهذا يرجع إلى حالة نفسية من الشعور المفرط بالاغتراب وعدم القدرة على فهم الآخرين وعدم القدرة على تعاطي ألوان من السعادة والرضا والبوح والأنس معهم وهي قضية وإن كانت بسيطة وعفوية إلا أنها بحاجة إلى يقظة وبحاجة إلى تدريب، فكثير من الناس لا يجدون متعة في الحياة يبحثون عنها بعيدًا وهي على مقربة منهم والسبب هو عدم قدرتهم على التكيف مع الآخرين عدم قدرتهم على اقتباس الحكمة والأعجوبة، العرب كانوا يسمون الدهر (أبا العجائب أو أبا العجب) وحتى واحد من كبار السن كان يقول:

مضى العمر ولم يبق لي نهمة في لذة لا في أكل ولا في شرب ولا في نساء ولا في شيء، قالوا: فماذا بقي لك؟

قال: بقي منادمة الرجال، ومحادثة الرجال واقتباس طرائف الحكمة منهم.

فهذه من اللذات التي تبقى حتى بعد الشيخوخة والهرم وأذكر أن أحد الشعراء يقول في معنى بيت عن أنه يأسى لشاب يتوجع من الدهر ويتطلع سرعة زواله ويقول له كيف إذا كبرت وأصبحت شيخًا؟!

فهكذا نقول إذا كان الشباب -أحيانًا- غير قادرين على التكيف مع مجتمعهم ومع من حولهم، مع من هو أكبر منهم سنًا أو مع الغريب أو مع الجديد فكيف إذا كبروا؟ سيكونون أبعد عن ذلك فهذا من معاني الغربة.

من معاني الغربة التي قفزت في ذهني البارحة كان معي أحد الشباب يدير معي بعض هذه الموضوعات والأحاديث غربة الإنسان لما يكون يحلم بأحلام أشبه بأحلام اليقظة منها بالواقع ويعتبر أن هذه أهداف يسعى إليها فيكون عنده أهداف بعيدة وغير واقعية وهو يحاولها دون أن يملك إمكانية أو آلة، فيترتب على ذلك شعوره المفرط بالغربة عن الزمان وعن الواقع ويبدأ ينحي باللائمة على الناس وعلى الدهر وعلى الزمن ويسب الدهر والله صبحانه وتعالى يقول: «يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِى الأَمْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ » .

وكما كان الشافعي يقول:

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا *** وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا

فتجد هذا الشاب يعيب الناس ويعيب الزمان ويكثر من ذكر الفتنة وغير ذلك وقد تكون الفتنة منه لأنه وضع نفسه في غير محلها، وهنا أذكر الطرفة التي يروى أن مجموعة كان منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف فمرت بهم غنم من بعيد فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: اللهم إن كان سبق في علمك أني ألي الخلافة وأن أكون خليفة فأسقنا من لبنها.

فلما اقتربوا منها وجدوها تيوسًا كلها، ففي ذلك إشارة إلى أن من حكمة الله أن الإنسان يضع نفسه في موضعها، فمن الغربة وأيضًا كان بعض السلف يقول:

إني أرثي لاثنين، أرثي لإنسان يطلب العلم وليس معه آلته يعني إنسان ينتقل من حلقة إلى حلقة ومن درس إلى درس ومن مكان إلى مكان وهو لا يملك الإمكانية لا يملك العقل والتفكير والقدرة والاستيعاب والحفظ والفهم، وأرثي كذلك لإنسان عنده الإمكانية ومع ذلك هو معرض، وهذا من عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فالأول الذي كان يطلب العلم وليس أهلًا له كان أخلق به أن يذهب إلى زرع أو ضرع أو تجارة أو عمل ينتفع به والثاني أيضًا الذي يملك آلة طلب العلم ولكنه معرض كان خليقًا بمن يرشده إلى استثمار هذه الطاقة الموجودة عنده فيما يناسبها.

مقدم البرنامج:

طيب فضيلة الدكتور تكلمنا إذًا عن معاني معنوية للغربة وكان حري بنا أن نبدأ الحلقتين بها، قبل أن نتكلم عن المعنى الحسي وما عرف اصطلاحًا فيه في غربة الناس وعلى الأقليات المسلمة والعربية المهاجرة إلى خارج الدول الإسلامية والعربية يجب أيضًا أعتقد أن نقف مع الحديث الذي ذكرته قبل قليل وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الإسلام وأن بدايته غربة ونهايته غربه ثم أخبر (فطوبى للغرباء) ما المقصود بالغرباء هنا؟

الشيخ سلمان:

والله إن هذا خليقًا أن يوقف عنده أولًا لأنه حديث صحيح رواه مسلم وغيره حديث ابن عمر وأبي هريرة وجماعة من الصحابة - « بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ » . وفي بعض الألفاظ أنهم قالوا من الغرباء يا رسول الله؟

قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ويصلحون ما أفسد الناس من سنتي أو النزاع من القبائل. إلى غير ذلك من الألفاظ الواردة في تعريف الغرباء فهذا الحديث يجب أن لا يفهم منه معنى سلبي بمعنى أن الناس في بعض الأحوال ينكفئون على أنفسهم وينقمعون عن العمل وعن الحراك والعراك وبذل الجهد ويرضون لأنفسهم بأن يرددوا بعض الألفاظ وبعض الأحاديث التي لم يفهموها على وجهها وكأنهم يعزرون لأنفسهم فالنبي صلى الله عليه وسلم مثلًا يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت