4-التعمق في العلم، لا سيما غرائب وشواذ المسائل مع إهمال العمل: ذلك أن بعض الدعاة قد يكون كل همه التعمق في العلم لاسيما غرائب وشواذ المسائل، مع إهماله العمل، وربما لاحظ - أثناء طرح هذه المسائل - غفلة بعض الدعاة عنها وعدم إلمامهم بها، إما لأنها ثانوية لا يضر - الجهل بها، وإما لأنه لا يترتب عليها عمل، فيخطر بباله أن هؤلاء لا يتقنون من مسائل العلم شيئًا، وإن أتقنوا فإنما هو قليل في جانب ما لديه من الغرائب والشواذ، وما يزال هذا الخاطر يتردد في نفسه، ويلح عليه حتى يتحول إلى احتقار واستصغار ما لدى الآخرين، بالإضافة إلى ما عنده، وذلك هو داء الغرور.
ولعل ذلك هو السر في دعوة الإسلام إلى أن يكون السعي في طلب العلم دائما حول النافع والمفيد: إذ كان من دعائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"...اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا"رواه مسلم والنسائي .
بل وأكد على أن يكون هذا العلم مقرونا بالعمل، وإلا كان الهلاك، والبوار؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [2] كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [3] { "سورة الصف" . وقال تعالى:} أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [44] "سورة البقرة".
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ"رواه البخاري ومسلم وأحمد.
5-الوقوف عند الطاعات مع نسيان المعاصي والسيئات: ذلك أن من شأن البشر - سوى النبيين - الصواب والخطأ، وإذا غفل العامل عن ذلك؛ فإنه كثيرًا ما يقف عند الطاعة، أو الصواب في الوقت الذي ينسى فيه المعصية أو الخطأ، وتكون العاقبة الإعجاب بالنفس، المقرون باحتقار ما يقع فيه الآخرون إلى جانب ما يصدر عنه، وهذا هو الغرور.
وقد لفت سبحانه وتعالى النظر إلى هذا السبب أو الباعث، وهو يمدح صنفا من المؤمنين يؤدي الطاعة، ويخاف أن يكون قد وقع منه ما يحول بينه، وبين قبولها، فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [57] وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [58] وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ [59] وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [60] أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [61] { "سورة المؤمنون". عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: } وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ... أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ قَالَ:" لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَوْ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ"رواه الترمذي وابن ماجه .
كما لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى ذلك حين دعا إلى أن يكون التعويل بعد الفراغ من العمل على فضل الله ورحمته، لا على العمل نفسه، وإلا كان الغرور والضياع، فقال:"لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ" قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:" وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا"رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي وأحمد.
6-الركون إلى الدنيا: وقد يعلم بعض الدعاة بأنه مبتلى بآفة الإعجاب بالنفس، بيد أنه لركونه إلى الدنيا، وانغماسه فيها، ربما يعتريه الكسل، فلا يستطيع أن يجمع همته لمداواة نفسه، بل قد يأخذ في التسويف، وتأخير التوبة، وبمرور الزمن يتحول الإعجاب بالنفس إلى داء أكبر وأبعد، ألا وهو الغرور. وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى هذا السبب أو إلى هذا الباعث، من خلال ذم الدنيا، والتحذير منها، إذا اتخذها الناس هدفًا أو غاية: