العثمانية مبكرا لأهمية التقدم العلمي للدولة الإسلامية خاصة من الناحية العسكرية حين رأى الدول النصرانية قد سبقت في هذا المضمار فقد استعان السلطان سليم الثالث بالنظم الغربية العسكرية واستجلب المهندسين الأجانب لتعليم المسلمين الصناعات والنظم العسكرية المبتكرة عام 1796 م لكنه لقي ( ) معارضة من بعض العلماء - خوفا على الروح الإسلامية - دون أن يوجد البديل أو يهتموا في تعمير وتقدم الدولة الإسلامية من الداخل وبإمكانات المسلمين أنفسهم مما كان له أسوأ الأثر فيما بعد ووقفت الإنكشارية ( من الجيش التركي ) مع هؤلاء والسلطان سليم الثالث حين حاول التطوير لم يعمل بوسائل الحيطة لحفظ الكيان الإسلامي فكريا وعقائديا , ثم جاء السلطان محمود الثاني وقضى على الانكشارية عام 1828 م فتمكن من إدخال النظم والصناعات العسكرية الحديثة ( ) أيضا. وكذلك فعل محمد علي في مصر عام 1805 م فقد أرسل بعثات من أبناء المسلمين للدراسة في الغرب وفي الوقت نفسه افتتح والي تونس كلية العلوم الحربية كل أساتذتها غربيون ( ) لكنه حين فعل ذلك لم يحتط للحفاظ على الروح الإسلامية لدى المتعلمين من أبناء المسلمين مما جعلهم بدافع إعجابهم بمعلميهم الغربيين يتصفون بالنزعة العلمانية بل يحاولون تقليدهم تقليدا أعمى حدا بهم إلى التنكر لدينهم وأمتهم. وفي إيران أيضا افتتحت كلية للعلوم والفنون عام 1852 م قامت على أساس غربي بحت. ( ) لقد كانت هذه الخطوات تبدوا طبيعية تقتضيها المصلحة أول الأمر إنما كانت تنقصها الحكمة والحيطة والوعي من قبل المسلمين أنفسهم لا سيما بعض العلماء الذين رفضوا بشدة الاستفادة من الغرب دون قيد أو شرط والحكام الذين قبلوا وأقبلوا على الاستفادة من الغرب دون قيد أو شرط كلا الفريقين جنى على الإسلام ولا شك وعلى أبناء المسلمين الذين تعلموا العلوم الوافدة. المهم أن الصراع انتهى آخر الأمر بانتصار المستغربين وخسرت الأمة الموقف المعتدل الذي يفيد من الغرب بقدر ما يقوي الأمة ويلحقها بمن سبقها في مضمار الصناعات والعلوم النافعة التي لا تصدم مع العقيدة الإسلامية ويقيم الحياة والدولة الإسلامية على الإسلام. فحاء بعد ذلك السلطان عبد المجيد عام 1839 م في تركيا فأعلن ما يسمى ( بالإصلاح ) ورفع شعارات الحرية الشخصية والحرية الفكرية بالمفهوم الغربي وتسوية المسلين بغير المسلمين وأدخل التنظيمات المستوردة من الغرب. وكذلك فعل إسماعيل في مصر ( 1863- 1876 ) فدعا إلى أن مصر قطعة من أوربا , وأكثر من الغربيين فيها وأنشأ المحاكم المختلطة وعدل الأنظمة والقوانين طبق القانون الفرنسي؟ ( ) وفي هذه الأثناء عاد كثير من المبتعثين - من أبناء المسلمين - من الغرب إلى بلادهم. وكثرت البعثات الجديدة وجاءت تحمل أفكار الغربيين لا علومهم وتقدمهم جاءت بأفكار جاهلية لا تمت إلى الإسلام ولا إلى العلم والتقدم بصلة فبدأت حركة التغريب في العالم الإسلامي على أيدي هؤلاء دون وعي ولا بصيرة ولا تعقل تدفعها أهواء المستغربين وأطماع أساتذتهم الغربيين حيث بدأ على أيدي هؤلاء ما يسمى بحركة اليقظة أو النهضة وتشكلت بذور الاتجاهات العلمانية الحديثة التي نحن بصدد بحثها , وكان أوائل البعثات إلى الغرب رفاعة الطهطاوي من مصر ( 1801 م - 1873 ) وخير الدين التونسي ( 1830 م - 1879 ) ( ) وكلاهما درس في فرنسا في وقت متقارب وكانت الحضارة الغربية في أوج تقدمها فأعجبا بالغرب إعجابا ملك عليهما عقليهما وذهلا للفارق بين أوضاع المسلين وحال الغرب هناك فجاء ككل منهما بهذه النفسية المنهزمة والعقلية الغربية فأخذ ينادي بشعارات غربية دون بصيرة - وعن -حسن نية وصدق عاطفة فيما يبدو - وأخذ يشيد بالغرب والغربيين وينادي بالحرية والتغني بالأمجاد الجاهلية القديمة والوطنية والتسامح الديني تقليدا للغرب وحاول كل مهما أن يخضع تعاليم الإسلام وأصوله للمفاهيم الغربية التي تأثر بها فلقد دعا كل منهما إلى تقليد الغربيين حتى في أساليب المعيشة والأخلاق، وهذا لا شك خطأ وإن كان عن حسن نية !. وفي الهند انبرى السيد أحمد خان ( 1817 م - 1898 م ) ( ) الذي زار أوربا وأعجب بالغرب أيما إعحاب فدعا المسلين إلى مصالحة الإنجليز وبذل جهودا جبارة في إخماد الثورة ضد الإنجليز التي قامت عام 1857 م ثم أعلن عن حركته العلمانية المستغربة والتي قامت على الأصول التالية: ( ) - تجديد الفكر الإسلامي وتفسير القرآن على ضوء العلوم الغربية الحديثة. - الاتصال المباشر بالغرب وخاصة الإنجليز - والنهل من علومهم دون تحفظ ولا تمحيص. - إعادة النظر والتشكيك في المغيبات والأصول الإسلامية التي لا تصدقها ولا تؤمن بها العقلية الحديثة في الغرب. - شرعية الاحتلال الإنجليزي لبلاد المسلمين، وتغيير مفهوم الجهاد لدى المسلمين ليتفق مع الأفكار الغربية ولا يكون موجه ضد الاحتلال، والدعوة إلى التسامح الديني بين المسلمين والكفار وبرهن على ذلك