قال الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى -"ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم: السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم , وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور , وذلك بنسيان ما مضى من المكاره التي لا يمكنه ردُّها , ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال , وأن ذلك حمق وجنون" (71) ا.هـ
الثالث عشر: معرفة أن المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة فتركهما إغلاق لباب من أبواب العصيان:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى"ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة , وكان نهاية قوة الغضب القتل , ونهاية قوة الشهوة الزنى جمع الله -تعالى- بين القتل والزنى , وجعلهما قرينين في سورة الأنعام , وسورة الإسراء , وسورة الفرقان , وسورة الممتحنة , والمقصود أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة"ا.هـ (72) .
الرابع عشر: قال ابن حبان -رحمه الله تعالى-"لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب"ا.هـ (73) لذا فقد قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - ( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) (74) قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-"إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب احمد: أحدها: لا يصح و لا ينفذ ؛ لأن النهي يقتضي الفساد . والثاني: ينفذ . والثالث: إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه , وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ"ا.هـ (75) وقال معللا المنع"إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه , ويمنعه من كمال الفهم , ويحول بينه وبين استيفاء النظر , ويعمي عليه طريق العلم والقصد"ا.هـ (76) لهذا كان من وصية أمير المؤمنين عمر لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- في القضاء"وإياك والغضب والقلق والضجر" (77) .
صور من هدي السلف عند الغضب
سب رجل ابن عباس -رضي الله عنهما - فلما فرغ قال: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى (78) .
وقال أبو ذر -رضي الله عنه- لغلامه: لِمَ أرسلت الشاة على علف الفرس ؟ قال: أردت أن أغيظك . قال: لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى (79) .
وأسمع رجل أبا الدرداء - رضي الله عنه- كلاما , فقال: يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه .
قال الأحنف بن قيس -رحمه الله تعالى - لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه , فإن أنصفك وإلا فاحذره (80) .
إذا كنت مختصا لنفسك صاحبا *** فمن قبل أن تلقاه بالود أغضبه
فإن كان في حال القطيعة منصفا *** وإلا فقد جربته فتجنبه
وقال محمد بن حماد الكاتب:
فأعجب من ذا وذا أنني *** أراك بعين الرضا في الغضب (81)
وأختم بما رواه عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر -رضي الله عنه- صلاة فأوجز فيها فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة ، فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم ( اللهم بعلمك الغيب , وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي , وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم , وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة , وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب , وأسألك القصد في الفقر والغنى , وأسألك نعيما لا ينفد , وأسألك قرة عين لا تنقطع , وأسألك الرضاء بعد القضاء , وأسألك برد العيش بعد الموت , وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ضراء مضرة ولا فتنة مضلة , اللهم زينا بزينة الإيمان , واجعلنا هداة مهتدين ) (82) والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وزاد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
(1) إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان /49 .
(2) قرى الضيف 4 / 224 يتيمة الدهر 4/224 .
(3) صبح الأعشى 9/196 جمهرة الأمثال 1/356 الأغاني 12/250ونسبه لعبد الله بن معاوية الجعفري .
(4) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب 1/327 المستطرف في كل فن مستظرف /455 .
(5) فيض القدير 6/81 .
(6) تفسير القرطبي 1/150 .
(7) التعريفات /168 .
(8) رواه مسلم (91) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- .
(9) رواه أبو داود (4341) والترمذي (3058) من حديث أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- وقال"حسن غريب"وصححه ابن حبان (385) .
(10) رواه البزار (3366) والبغوي (33) بإسناد ضعيف .
(11) رواه ابن أبي الدنيا في التواضع (51) كما رواه الدارمي (527) والخطيب في الجامع (925) من قول سعيد بن جبير.
(12) الزهد (44) .
(13) البيان والتبيين 1/208 .
(14) رواه أبو داود ( 4800) من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.
(15) أدب الدنيا والدين /309 .