فهرس الكتاب

الصفحة 9584 من 27345

والفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان إحسانا إلى الحامد أو لم يكن ، والشكر لا يكون إلا على أحسان المشكور ، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر ، لأنه يكون على المحاسن والإحسان ، فإن الله يحمد على ما له من الأسماء الحسنى ، وما خلقه في الآخرة والأولى، ولهذا قال: ? الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ? [الاسراء:111] ، وقال: ? الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? [الأنعام:1] ، إلى غير ذلك من الآيات.

وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، ولهذا قال تعالى: ? اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ? [سبأ:13] ، والحمد يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه.

الألف واللام في قوله: ( الحمد ) للاستغراق أي جميع أنواع الحمد لله لا لغيره ، فأما الذي لا صنع للخلق فيه مثل خلق الإنسان، وخلق السمع والبصر والسماء والأرض والأرزاق وغير ذلك فواضح، وأما ما يحمد عليه المخلوق مثل ما يثني به على الصالحين والأنبياء والمرسلين، وعلى من فعل معروفًا خصوصًا إن أسداه إليك، فهذا كله لله أيضًا بمعنى أنه خلق ذلك الفاعل، وأعطاه ما فعل به ذلك، وحببه إليه وقواه عليه، وغير ذلك من أفضال الله الذي لو يختل بعضها لم يحمد ذلك المحمود فصار الحمد لله كله بهذا الاعتبار.

وأما قوله: ? لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ? فالله علم على ربنا تبارك وتعالى، ومعناه: الإله أي المعبود لقوله: ? وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ? [الأنعام:3] ، أي المعبود في السموات والمعبود في الأرض: ? إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ? [مريم:93] ، وأما الرب فعناه المالك المتصرف، وأما ( العالمين ) فهو اسم لكل ماسوى الله تبارك وتعالى فكل ماسواه من ملك ونبي وإنسي وجني وغير ذلك مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج كلهم صامدون إلى واحد لاشريك له في الدين، وهو الغني الصمد، وذكر بعد ذلك ( مالك يوم الدين ) وفي قراءة أخرى ( ملك يوم الدين ) فذكر في أول هذه السورة التي هي أول المصحف الألوهية والربوبية والملك، كما ذكره في آخر سورة من المصحف ? قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ? 1 ? مَلِكِ النَّاسِ ? [الناس:1 ـ 2]

فهذه ثلاثة أوصاف لربنا تبارك وتعالى ذكرها مجموعة في موضه واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر القرآن ما يطرق سمعك من القرآن. فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضوع، ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرق بين هذه الصفات، فكل صفة لها معنى غير معنى الأخرى، كما يقال: محمد رسول الله ، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم فكل وصف له معنى غير ذلك الوصف الآخر.

إذا عرفت أن معنى الله هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله أو ذبحت له أو نذرت له فقد عرفت أنه الله ، فإن دعوت مخلوقًا طيبًا أو خبيثًا، أو ذبحت له أو نذرت له فقد زعمت أنه هو الله ، فمن عرف أنه قد جعل شمسان أو تاجا ( شمسان وتاج - ومثلهما يوسف - رجال كان الناس في عصر الشيخ يعتقدون فيهم الولاية، ويرفعون لهم من العبادة والدعاء ونحوها ما لا ينبغي أن يرفع إلا لله عز وجل) (راجع رسالة كشف الشبهات للشيخ) برهة من عمره هو الله، عرف ماعرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ماذكر الله عنهم: ? وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ? [الأعراف:149] .

وأما الرب فمعناه المالك المتصرف، فالله تعالى مالك كل شئ وهو المتصرف فيه، وهذا حق، ولكن أقر به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ? قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ? [يونس:31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت