ومن كانت هذه همته فهو داخل في هذه الآية ولا بد، فهو متوعد بالعذاب الأليم ، ومثال ذلك: أن يريد الإنسان ذمَّ رجل، وتنقصه، وإظهار عيبه؛ لينفر الناس عنه: إما محبة لإيذائه، أو لعداوته، أو مخافة من مزاحمته على مال، أو رئاسة، أو غير ذلك من الأسباب المذمومة، فلا يتوصل إلى ذلك إلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني مثل: أن يكون قد ردَّ قولًا ضعيفًا من أقوال عالم مشهور، فيشيع بين من يعظِّم ذلك العالم أن فلانًا يُبغِضُ هذا العالم، ويذمُّه، ويطعن عليه؛ فيغرُّ بذلك كل من يعظِّمه، ويوهمهم أن بغض الراد وأذاه من أعمال القرب؛ لأنه ذبٌّ عن ذلك العالم، ورفع الأذى عنه، وذلك قُربة إلى الله، فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرَّمين:
? أحدهما: أن يحمل ردّ العالم القول الآخر على البغض، والطعن، والهوى، وقد يكون إنما أراد به النصح للمؤمنين، وإظهار ما لا يحل له كتمانه من العلم .
? والثاني: أن يظهر الطعن عليه؛ ليتوصل بذلك إلى هواه، وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع.
العلاج: ومن بُلي بشيء من هذا المكر: فليتق الله، ويستعن به، ويصبر؛ فإن العاقبة للتقوى:
?كما قال تعالى- بعد أن قصَّ قِصَّة يوسف، وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة-: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ... [21] [سورة يوسف] .
? وقال تعالى- حكاية عنه- أنه قال لإخوته: قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا... [90] [سورة يوسف] .
? وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام، وما حصل له ولقومه من أذى فرعون وكيده قال لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا... [128] [سورة الأعراف] .
? وقد أخبر الله تعالى أن المكر يعود وباله على صاحبه:وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [43] [سورة فاطر] .
? وقال تعالى:وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [123] [سورة الأنعام] .
والواقع يشهد بذلك: فإن من سبر أخبار الناس، وتواريخ العالم؛ وقف على أخبار من مكر بأخيه، فعاد مكره عليه، وكان ذلك سببًا في نجاته وسلامته على العجب العجاب . ولو ذكرنا بعض ما وقع من ذلك؛ لطال، والله الموفق للصواب؛ وعليه قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا .
من رسالة:' الفرق بين النصيحة والتعيير' للحافظ/ ابن رجب الحنبلي .