* قيام بعض النَّاس ببعض الأعمال التي قد تكون محرَّمة أو بترك بعض الأعمال التي قد تكون واجبة، اعتقادًا منهم أنَّ ذلك من الورع. وهذا يحصل في العادة عند تعارض المصالح والفساد وعدم الموازنة لما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، ويشرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه المسألة فيقول:"وتمام الورع أن يتعلَّم الإنسان خير الخيرين، وشرّ الشرّين، ويعلم أنَّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلاّ فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية، والمفسدة الشرعية؛ فقد يدع واجبات، ويفعل محرّمات، ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجمعة والجماعات خلف الأئمة الذين فيهم بدعة، أو فجور، ويرى ذلك من الورع، ويمتنع من قبول شهادة الصّادق، وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيفة، ويرى ترك قبول سماع هذا الحقّ الذي يجب سماعه من الورع".
* جهل بعض المتورِّعة أو المتزهِّدة بالكتاب والسنَّة فيفعلون بعض الأفعال ظنًَّا منهم أنَّها واجبة أو شبه واجبة، ويتركون بعض الأعمال ظنًَّا منهم أنَّها محرَّمة أو شبه محرَّمة، ودافعهم إلى ذلك الورع والتديُّن، لكن جهلهم ببعض الحلال والحرام قد يؤدِّي بهم إلي فعل ما لم يدل الدليل علي وجوبه أو ترك ما لم يدلّ الدليل على أنَّه حرام أو مشتبه بالحرام، وإنَّما قد يكون هذا الورع مبنيًا على الظنّ أو الميل النفسي فحسب.
وعن هذا يتحدَّث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فيقول:".. إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرّم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلّة الكتاب والسنّة، وبالعلم لا بالهوى، وإلاّ فكثير من النَّاس تنفر نفسه من أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك ممَّا يقوِّي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد.. ومن هذا الباب: الورع الذي ذمَّه الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي في الصحيح لما ترخّص في أشياء فبلغه أنَّ أقوامًا تنزَّهوا عنها، فقال:"ما بال رجال يتنزَّهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله أنِّي لأرجو أن أكون أعلمهم بالله وأخشاهم"."
ولهذا يحتاج المتديِّن المتورِّع إلى علم كثير بالكتاب والسنّة والفقه في الدين، وإلاّ فقد يفسد تورّعه الفاسد أكثر ممَّا يصلحه، كما فعله الكفَّار وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم"."
* إرادة الإنسان بورعه وزهده الدنيا من الشهرة أو الصدارة أو ثناء النّاس...إلخ.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:"... واعلم أنَّ الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب إلا بفعل المأمور به من الإخلاص، أمّا الورع بفعل المأمور به فظاهر، فإنَّ الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، وأمَّا ترك المنهيُّ عنه الذي يسمِّيه بعض الناس ورعًا فإنَّه إذا ترك السيئات لغير وجه الله لم يثب عليها، وإن لم يعاقب عليها، وإن تركها لوجه الله أثيب عليها، ولا يكون ذلك إلاّ بما يقوم بقلبه من رجاء رحمة الله، أو خشية عذابه".
إنَّ الزهد في الدُّنيا قد يكون لطلب الراحة ممَّا يلحق من ضررها، أو لعدم حصول المطلوب منها، وهذا كلَّه ليس من الزهد في شيء، وليس بمحمود عند الله عزَّ وجل.
وإنَّما المحمود مِن ترك الدُّنيا وذمّها ما كان دافعه إرادة وجه الله عزّ وجل والدار الآخرة، ولكون الدنيا تشغل عن ذلك، ولولا كون الدنيا تشغل عن عبادة الله عزّ وجل والدار الآخرة لم يشرع الزهد فيها، فلينتبه من يدِّعي الزهد إلى هذا الأمر وليفتِّش عن نيَّته ولا يلبس الحقّ بالباطل.
(إنَّ قومًا زهدوا فيما ينفعهم بلا مضرَّة فوقعوا به في ترك واجبات أو مستحبَّات كمن ترك النساء وأكل اللحم ونحو ذلك) .
وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:"لكنِّي أصوم وأفطر وأتزوَّج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنَّتي فليس مني".
وقد يوقع زهدًا في فعل محظورات، كمن ترك تناول ما أُبيح له من المال والمنفعة، واحتاج إلى ذلك فأخذه من حرام، أو سأل النَّاس المسألة المحرَّمة، أو استشرف إليهم، والاستشراف مكروه..
ومن كان زهده زهد الكسل والبطالة والراحة لا لطلب الدّار الآخرة بالعمل الصالح والعلم النافع، فإنَّ العبد إذا كان زاهدًا بطالًا فسد أعظم فساد، فهؤلاء لا يعمرون الدنيا ولا الآخرة، فمن ترك بزهده حسنات مأمور بها كان ما تركه خيرا من زهده.
.. ومن زهد فيما يشغله عن الواجبات أو يوقعه في المحرَّمات فهو من المقصِّرين أصحاب اليمين.
ومن زهد فيما يشغله عن المستحبّات والدرجات فهو من المقرَّبين السابقين.
المصدرhttp://www.lahaonline.com