فمعنى الحضارة عند ديورانت هو كونها حضارة حادثة على الإنتاجية بصرف النظر عن مستواها. أما تايلور فنجده لا يحدّ مستوى الحضارة بحدٍّ سوى التقدم اللامتناهي. حيث يقول في تعريفها:"هي درجه من التقدم الثقافي تكون فيها الفنون والعلوم والحياة السياسية في درجة متقدمة".
إلى غير ذلك من التعريفات التي تتفاوت حسب الخلفيات المعرفية والتاريخية والعقائدية في النظر إلى الحضارة, وبشكل عام هناك من وسع مفهوم الحضارة ليشمل كل أبعاد التقدم وهو اتجاه بعض المفكرين الفرنسيين وهناك من جعله قاصر على نواحي التقدم المادي مثل أصحاب الفكر الألماني وهناك من جعله مرادفًا لمفهوم الثقافة.
أما المفكر الإسلامي مالك بن نبي فقد استطاع أن يعطي مفهومًا ديناميكيًّا للحضارة يتحدد في ضرورة"توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه" (9) .
فحقيقة الحضارة عند مالك بن نبي وكثير من المفكرين هي أعمّ من العمران المادي؛ وهذا ما دعا البعض للتميز بين مصطلح (الحضارة) ومصطلح (المدنية) باعتبار الاشتباه اللغوي بينها؛ فالمتحضر هو الذي يسكن الحواضر، والمتمدن هو الذي يسكن المدن، لكن حين وجد كثير من المفكرين والباحثين أن ارتقاء حياة الإنسان ذو بعدين أساسين: بُعد شكلي، وبعُد داخلي؛ رأوا أن يطلقوا مصطلح (المدينة) على ما يتم من ارتقاء في مضامين الحياة الحضرية، ومصطلح (الحاضرة) على الارتقاء الشكلي الذي يتمحور حول وسائل العيش وأدوات الإنتاج وطريقة تنظيم البيئة - وليس هذا بمطرد عند الكل -.
وفي المذهبية الإسلامية التي ننظر من خلالها للكون والحياة اهتمام شديد بمسألة التفريق بين المدنية والحضارة.
فقد ذمّ الله -عز وجل- أممًا وأقوامًا قطعوا أشواطًا في العمران، واستخدام الموارد، وتصنيع الأدوات، لكن عتوّهم عن أمر الله -تعالى- وفساد مضامين نظمهم العمرانية؛ تسبب في هلاكهم وإبادتهم. وفي هذا يقول الله -عزّ وجلّ: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (10) . وقصّ علينا ما بلغه قوم ثمود من الارتقاء والقوة: )وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (11) ، ولكن القوم كفروا وأعرضوا عما قاله لهم أخوهم صالح؛ فكانت النتيجة أن أخذتهم الرجفة:"فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين"
وفي المقابل؛ فإن المدينة المنورة التي شهدت أول مجتمع إسلامي، لم تكن في أوضاعها المدنية تتجاوز ما عليه قرية صغيرة في أي بلد من بلدان العالم الثالث اليوم. لكن ذلك المجتمع كان حسب المقاييس المدنية -وهي شبه عامة- يشكّل قمة التمدن والرقي الخلقي والسلوكي والعلائقي. ففي المجتمع المدني كانت الأهداف الكبرى واضحة، والغايات مشرقة، وقد بلغ من وضوحها وسيطرتها على النفوس أن كان المسلمون -حتى الأطفال - يتسابقون إلى نيل شرف الشهادة على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ، وكان من المسلمين من يعمل ويجتهد ليتصدق ببعض أجره في المساء, وبلغ الناس من النقاء وحب التطهر أن اعترف أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض الرجال والنساء بارتكاب جرائمهم مطالبين بكل إصرار أن ينزل عليهم عقوبة الدنيا ولو كانت الرجم بالحجارة حتى الموت حتى يلقوا الله تعالى وهو عنهم راض.. وبلغت شفافية الحكم والدولة أن كان مرتّب الخليفة لا يزيد على نفقة الطعام مع كسوة قليلة.. وخلا ذلك المجتمع من مظاهر تسلط الدولة فالقضاء والسجون ورجال الشرطة.. أمور هامشية إن لم تكن معدومة.. ومهما بيّنا درجة المدنية التي بلغها المجتمع الإسلامي آنذاك؛ فإن الحقائق تظل أكبر من الكلمات (12) .
وخلاصة القول: إن مقصودنا من استخدام كلمة (الوعي) في سياق المفهوم الحضاري الشامل للمدنية؛ يمكن تحديده بأنه:"أدراك الفرد ومؤسسات المجتمع المختلفة بمسؤولياتهم الكبرى في بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة والسعي في دفع عملية النهضة والتقدم المعنوي والمادي من خلال إصلاح الفكر والسلوك والواقع".
بقي أن نتحدث عن مشكلات الوعي الحضاري ومقوماته التي تنهض به، ولعل ذلك يكون في مقالنا القادم -بإذن الله- والله الموفق للحق والصواب..* رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن
1 -سورة الإسراء 70.
2 -سورة الرعد 11.