فهرس الكتاب

الصفحة 9799 من 27345

ثم تدريسه بنظامية نيسابور، ثم نظامية بغداد، وبين رغبته في التصوف التي دفعته

لأن يعلن بأن «علم الفقه علم دنيوي لا ديني» ، وهي نفسها دعوى الصوفية، كما أقدم

على نقد الفقهاء بجانب الفلاسفة تأثرًا بالمنهج الصوفي، الذي كان يتطور في

اتجاهه على نحو بطيء ولم يتصوف فجأة كما يدعي البعض.

ويفسر المؤلف هذا التحول لدى الامام الغزالي بتبلور ايمانه بفكرة بدأت تختلط

بها ثقافته الموسوعية، وهي ان مطلق الحقيقة لا يأتيه الصدق الا طريق العقيدة

الدينية، بل انه صار يميز بين الحسيات والعقليات وبين ان يرجع كل آراء الفلاسفة

الى الأنبياء، حيث ان الأخيرين هم المنبع الفلسفي لكل ما اطلع عليه من آراء،

فكان لا بد له أيضًا بعد ان تنوعت معارفه ان يسقط صريع الشكوك الدفينة في

اعماقه والتي ورثها عن نشأته الأولى ثم زادها وأذكاها ما تعرض له من نقض

لمبادىء الفلاسفة وأهل الكلام، والباطنية منهم بوجه خاص، وبدلًا من ان يتيه في

حجج الفلاسفة والباطنية تبلور ايمانه الروحي بقطع العلائق عما تلقاه في حضانة

أبيه الصوفي ومربيه الوفي وأستاذه الصوفي، من وجه، مع تشبثه بالحياة وتلمذته

على الجويني وتعرفه على نظام الملك وتدريسه في نظامية بغداد ومكانته في قصر

الخليفة العباسي من وجه آخر، فتولد عن رغبته الصوفية وعن المشاكل السياسية التي

سببتها فترة تدريسه في نظاميتي نيسابور وبغداد ورده على الفلاسفة، اعادة وصل

معرفته الصوفية التي كانت قد انقطعت بعد الفارمدي.

ومن هنا يصل المؤلف الى ادراك رئيسي لكتابة هذه هو ان العقيدة الصوفية كانت

منغرسة وراسخة في بواطن الامام الغزالي، وان خطه البياني كان يعلو ويهبط

متأثرًا بدرجة انشغاله بالحياة، منذ تلمذته وملازمته للامام الجويني وتدريسه في

نظاميتي نيسابور وبغداد، والذي دفع به الى قلب الأزمات السياسية، ثم بدرجة قلقه

وشكه وبحثه عن طمأنينة النفس التي لم يجدها الا في الحياة الصوفية فانكب على

كتب الصوفية في رحلته الطويلة، حتى عاد الى نيسابور وطوس في نهاية الرحلة

إمامًا للمتصوفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت