لقد كانت قضية الدعوة وقضية التعليم قضية تشغل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يستثمر كل هذه الفرص، ولهذا أخذ هذا النشء وهذا الجيل المبارك هذا الهدي المبارك منه صلى الله عليه وسلم فصار سؤاله في كل وقت: كيف يستثمر هذا الوقت في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى؟
الحادي عشر: أنه أحيا سنة الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى
إن تجربة الجهد الأفغاني تجربة قريبة وتجربة لم ولن تنساها الأمة، في وقت كادت الأمة أن تنسى الجهاد وتنسى هذه الفريضة، بل للأسف كان بعض من يتصدر للتعليم وتدريس الناس الفقه يقفز باب الجهاد حين يصل إليه لأن الأمة قد نسيته ، وحين قام هذا الجهاد في تلك البلاد وفتح الميدان رأينا الشباب ممن لم يتجاوزوا العشرين أو تجاوزها بقليل، رأيناه يترك الدنيا ويترك الدينار والدرهم، ويترك كل ما يسير إليه الناس من متعهم، ويرحل إلى هناك إلى بلاد لا يعرف لغتهم، إلى بلاد لا يعرف طريقتهم، ولا يعرف حياتهم، ولسان حاله يقول وقد قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين ودع أصحابه وقالوا له حفظكم وردكم إلينا، قال: لا ردنا الله إليكم ، وقال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ** وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طَعنةٍ بِيَدَي حرّانَ مُجْهزةٍ ** تغوص من الأحشاء تقذف الكبدا
حتى يقال إذا مروا علىجدثي ** يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وكان يسأل الشهادة ويقول وهو يخاطب راحلته:
إذا أديتِني وحملت رحلي ** مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك برء ** ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وخلفوني ** بأرض الشام منجدل الثواء
هنالك لا أبالي طلع بعل ** ولا نخل أسافلها رِواء
ولسان حاله يقول كما قال الأول:
على شرجع يعلى بخضر المطارف ** أذا العرش إن حانت وفاتي فلا ن
يمَسُّون في فج من الأرض خائف ** ولكن أحِن يومي سعيدًا بصحبة
لئن قالها صاحب بدعة وصاحب ضلالة، فهو يقولها وهو على السنة وهو يتمنى أن يرزقه الله الشهادة تحت لوائها.
وبعد أن نسيت الأمة صور الشهادة، ونسيت صور الجهاد، رأينا نماذج من هؤلاء، ممن قتلوا في سبيل الله -نحسبهم والله حسيبهم- من الشهداء في سبيل الله، فأحيوا فريضة الجهاد، وضربوا للأمة أروع الأمثلة في التضحية والبطولة والفداء، في وقتٍ كان يسافر أترابهم وأقرانهم لقضاء الرذيلة، ولقضاء الشهوات المحرمة، وفي وقتٍ كان يسافر فيه الكبار والصغار للنزهة، كان هؤلاء الشباب يسافرون لأن يتيسر لهم في تلك البلاد ما لا يتيسر لهم في بلادهم، أما هؤلاء فلهم شأن آخر وقضية أخرى وحياة أخرى.
وأولئك الذين لم تكتحل أعينهم برؤية ميدان الجهاد، ولم تتشنف أسماعهم بسماع صوت الجهاد، كما كان أحدهم يتغنى:
لا شيء يشجيني ويطرب مسمعي ** كأزيزِ رشاشي وصولة مدفعي
إنهم وإن لم تكتحل أعينهم برؤية تلك المشاهد، ولم تتشنف أسماعهم بسماع ذاك الصوت، ولم يحصل لهم شرف المشاركة في تلك الميادين؛ فإنما عاقهم عائق وحبسهم حابس عن هذه الميادين، وأحدهم يتمنى أن تتاح له الفرصة، وأن يفتح له الميدان .
إنها صورة تستحق الإشادة، وتستحق أن نحْفِل بها، وأن نشعر أنها من منجزات جيلنا المبارك، وكما قال صلى الله عليه وسلم:"من خير معاش الناس لهم في دينهم ودنياهم رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار يبتغي القتل والموت من مظانه".
الثاني عشر: أنهم قد أحيوا سنة الأخُّوة في الله
لقد كادت الأمة أن تنسى الحب في الله والأخُّوة في الله، فجاء هذا النشء المبارك ليحيي معاني هذه الأخُّوة وليتأسى بنبيه صلى الله عليه وسلم والجيل المبارك الذين تآخوا على غير أرحام بينهم .
ولعل هؤلاء من أسعد الناس بقوله صلى الله عليه وسلم:"رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"مما حدا بأحد شعراء هذه الصحوة أن يستبشر حين رأى هذا الأمل:
الله أكبر إن عيني قد رأت ** نورًا بآفاق السماء يتلالا
فلعله فجر الأخُّوة قد بدا ** يحيي النفوس ويبعث الآمالا
ويميط عن هذه القلوب هوانها ** فتروح ترسل روحها إرسالا
الثالث عشر: موقف هؤلاء من المعاصي
إن هؤلاء -شأنهم شأن سائر المسلمين- قد يقعون في المعصية وقد يواقعون الذنب، ومن هو الذي لا يقع في الذنب والمعصية؟"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"و"كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّاءين التوابون"كما قال صلى الله عليه وسلم .