ولما دخل الرومان أورشليم في عهد الإمبراطور نيرون بدأت ثورة اليهود على الرومان فقام الرومان باحتلال أورشليم سنة (70ق.م) وأحرقوا الهيكل، وفتكوا باليهود فتكًا ذريعًا. وبقى الروم هناك إلى أن أنقذ الله القدس منهم ومن أعدائهم على أيدي المسلمين.
الفتح الإسلامي للقدس:
قبل أن تصل الجيوش الإسلامية إلى أرض بيت المقدس، كانت قلوب المجاهدين تهفوا إليها لما كان لها من أثر عظيم في نفوس المسلمين؛ فقد كانت قبلة المسلمين الأولى، ومسرى النبي محمد ومنها كان عروجه إلى السماء.
وصلت الجيوش الإسلامية سنة (15هـ) إلى بيت المقدس والتي كانت تسمى (إيلياء) بعد أن حاصرها أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ فطلب أهلها منه أن يصالحهم على صلح أهل الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إليه أبو عبيدة في ذلك ؛ فسار الفاروق رضي الله عنه من المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبعد أن وصل إلى القدس كان في استقباله"صفرونيوس"بطريرك (إيلياء) وكبار الأساقفة في مكان يسمى (جبل الطور) وبعد أن اتفقوا على شروط التسليم أقروا وثيقة سجلها التاريخ بمداد من ذهب وعرفت (بالوثيقة العمرية أو المعاهدة العمرية) وقد وصل عمر إلى جبل الطور بثوب مرقع من وبر الجمل، ورفض أن يصلي العصر في الكنيسة.
ومن أهم ماجاء في المعاهدة العمرية:
"هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل أيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها، ألا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولامن شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود...".
وبعد هذا الاتفاق دخل عمر والمسلمون مدينة القدس فاتحين ولا يزال هذا العهد محفوظًا لدى سدنة كنيسة القيامة في القدس، ويعد أقدم ميثاق دولي يدعو إلى احترام الشعائر الدينية، وصيانة الأماكن المقدسة. ولعل أهم ما جاء في الميثاق هو إصرار النصارى على الحيطة من قدوم اليهود إلى القدس حاضرًا ومستقبلًا فيومها لم يكن لهم وجود هناك ولكنهم ومن شدة معرفتهم باليهود أحبوا أن يحتاطوا للأمر؛ فشرطوا ذلك ووافق عمر رضي الله عنه وبالفعل لم يجرؤ اليهود على الإقامة في القدس طوال أيام الخلفاء الراشدين.
القدس في العصرين الأموي والعباسي:
اهتم الخلفاء الأمويون والعباسيون بالقدس الشريف اهتمامًا بالغًا وقد أخذ معاوية رضي الله عنه البيعة له هناك في بيت المقدس وكذلك أخذها عبدالملك بن مروان الذي شيد مسجد الصخرة عام (70هـ) ورصد لبنائه خراج مصر لمدة سبع سنين وجاء آية في الجمال والروعة والسعة وفي عام (72هـ) أمر ببناء القبة الواسعة التي مازالت شاهقة في وجوه المحتلين، وفي عام (74هـ) شرع في تجديد بناء المسجد الأقصى ولم يكتمل بناؤه في عهده فأكمله ابنه الوليد عام (86هـ ) ويبلغ طوله ثمانين مترًا وعرضه خمسين مترًا، وله أربع مآذن.
أما عمر بن عبدالعزيز فقد طلب من جميع ولاته أن يزوروا المسجد الأقصى ويقسموا يمين الطاعة والعدل هناك ولما انتقل الحكم إلى العباسيين قام أبو جعفر المنصور بزيارة القدس فهاله الدمار الذي حل بالمسجد الأقصى من جراء زلزال حدث؛ فأمر بإصلاحه وترميمه ودأب أكثر الخلفاء العباسيين على الاهتمام بالمسجد الأقصى ومسجد الصخرة وقاموا بتجديد أبنيتها مثل المهدي والمأمون وغيرهما.
القدس في عهد الصليبيين:
احتل الصليبيون القدس سنة (492هـ) وقد سجلت كتب التاريخ المذابح الرهيبة التي اقترفوها بحق المسلمين هناك، وبلغت ضحاياهم أكثر من ثمانين ألفًا سالت دماؤهم في شوارع القدس ونهبوا ما كان في الصخرة والأقصى من كنوز ومجوهرات، كما نصبوا صليبًا على قبة الصخرة وحولوا المسجد الأقصى إلى اصطبلات لخيولهم وبقوا هناك أكثر من تسعين عامًا، إلى أن هيأ الله للبلاد والعباد القائد الفذ البطل صلاح الدين الذي تمكن من فتح القدس بعد هزيمته للصليبيين في حطين عام (583هـ) وقد سجل التاريخ سماحة هذا القائد العظيم في معاملة النصارى وعفوه عنهم وبعد أن طردهم قام بإنزال الصليب عن قبة الصخرة ووضع المصاحف في المسجد الأقصى، وأمر برفع الأذان، واهتم ببناء المدارس والأربطة والمشافي والأسوار وهكذا تم تحرير القدس في ذلك العهد بفضل الله تعالى ثم بصلابة الناصر لدين الله صلاح الدين.
ومن الجدير ذكره أن منبر المسجد الأقصى الذي أحرق في 21-8-1969م كان قد صنعه نور الدين محمود في حلب، وفي عهد صلاح الدين تم نقله ونصبه في المسجد الأقصى، وكان مصنوعًا من أجود أنواع الخشب استغرق عمله وقتًا طويلًا.
القدس في عهد المماليك: