لما أحس الفلسطينيون بالكارثة عبروا عن رفضهم للهجرة اليهودية بشتى الوسائل؛ بثورات في القدس وغيرها، وهاجموا العصابات الصهيونية، وجحافل المستوطنين. وكان من أشد ثوراتهم ثورة البراق عام (1929م) استمرت (15يومًا) قتل وجرح فيها (472) يهوديًا وكان ضحايا المسلمين (338) بين قتيل وجريح؛ ولكن بريطانيا أخمدت هذه الثورة وما تلاها من الثورات بكل ما أوتيت من قوة.
واستنجد العرب في القدس بإخوانهم المسلمين فعقدوا في أرض الإسراء والمعراج المؤتمر الإسلامي عام (1931م) وحضره أكثر من اثنين وعشرين شخصًا يمثلون بلادهم، وأسهم فيه كبار الزعماء والمفكرين المسلمين، وأصدر قرارات بمقاطعة البضائع الصهيونية، ونادى بوقف الهجرة الهيودية، وإنشاء جامعة إسلامية في القدس تنافس الجامعة العبرية.
وخرج وفد فلسطيني يجوب العالم الإسلامي يجمع التبرعات لدعم صمود أهل فلسطين؛ لكن بريطانيا التي كانت مستعمرة معظم بلدان العالم الإسلامي حاربت هذا المشروع وأجهضته.
واندلعت الثورة الكبرى عام (1936م) وقامت العمليات الجهادية ضد اليهود، وأخذت بريطانيا على عاتقها إخماد الثورة؛ ولكنها عجزت عن ذلك طيلة ثلاث سنوات، وأخمدت الثورة بالقهر (1939م) وأصدرت أحكامًا جائرة ضد كل من يساعد المجاهدين، أو يحمل رصاصة، أو سكينًا، وهدمت الدور، ونفذت حكم الإعدام بحق (148) مسلمًا في سجن عكا، واستمر تهويد مدينة القدس يزداد يومًا بعد يوم وبلغ نشاط العصابات اليهودية أوجه قبل (عام1948) ؛ فقاموا بنسف الفنادق العربية، والمساجد، والأسواق، وتفجير السيارات، والتجمعات العامة، وقد سقط مئات الأبرياء وقصدهم ارغام السكان على إخلاء المدينة المقدسة، واستمرت الحال حتى عام 1948م، اذ بلغ عدد المهاجرين اليهود في القدس وحدها أكثر من مائة ألف نسمة.
حرب عام (1948م) :
سقط القسم الغربي من مدينة القدس في حرب (1948م) وضم إلى ما يعرف بدولة إسرائيل وبقي القسم الشرقي والضفة الغربية في أيدي المسلمين، وضم إلى الأردن التي أشرفت على إدارة الضفة الغربية، والقدس العربية بما فيها المسجد الأقصى وظل في أيديهم تسعة عشر عامًا.
احتلال اليهود للقدس كلها:
في أعقاب حرب (1967م) استولى اليهود على ما تبقى من مدينة القدس وقتلوا ما يزيد على مائتي مقدسي من غير المحاربين من رجال ونساء وأطفال وتم استيلاؤهم على المقدسات والعقارات الإسلامية التابعة للوقف الإسلامي، ودنسوا المسجد الأقصى، وبدأ التخطيط الإجرامي لنسف المسجد لأنه صار في قبضتهم ومن ثم إقامة الهيكل عليه، كما استولوا على مكان البراق، وهدموا المساجد والأوقاف الغربية فيه، وأزالوا حيين من الأحياء المجاورة للمسجد الأقصى وهما حي المغاربة وحي مشرف لصنع ساحة مقابل حائط المبكى ـ البراق ـ للزوار والمصلين اليهود.
كما عملوا على خلخلة التركيبة السكانية للمدينة بتشجيع الهجرة إلى القدس؛ إذ بلغ عدد اليهود عام (1967م) حوالي 200 ألف نسمة. وقاموا بتوسيع القدس على حساب باقي مدن الضفة الغربية؛ حيث جعلوها من 13كم2 إلى 108كم2 وذلك ضمن مشروع القدس الكبرى وأقر الكنيست اليهودي قرار ضم القدس إلى إسرائيل.
وفي عام (1980م) أقر القانون الأساسي للقدس، وتم إعلانها عاصمة لدولتهم، (وفي عام 1982م) بلغ عدد اليهود فيها ما يقارب (000،400نسمة) وبدأوا بمحاصرة من بقي من العرب هناك وذلك بمصادرة دورهم، وتشجيعهم على الهجرة خارج فلسطين، وظهرت المنظمات المتطرفة التي تسعى إلى هدم المسجد الأقصى؛ لإقامة هيكل سليمان ـ كما يزعمون ـ وحفروا الأنفاق حول الأقصى ليتداعى للسقوط.
ولم يستكن المسلمون هناك لخططهم، وحاولوا بما أوتو من قوة لإحباطها أو على الأقل تعطيلها وأصبح الأقصى يعج بالآلاف المؤلفة من المصلين في كل جمعة من أهل القدس والمدن القريبة منه والبعيدة؛ لعرقلة الخطط اليهودية الرامية إلى مصادرته ثم هدمه وبناء الهيكل في آخر لبنات مشروع الاستسلام لليهود .
وما الانتفاضة الأخيرة التي سميت بانتفاضة الأقصى إلا صخرة مدوية ملأت الأفاق تحذر المسلمين في العالم كله من هذا المشروع الذي بدأ من سنين، ولم تكن زيارة مجرم الحرب شارون وزير الدفاع السابق ومنفذ مجازر صبرا وشاتيلا إلا بالون اختبار لمكانة الأقصى عند المسلمين.
وما زالت الحجارة تنطلق كل يوم في القدس وغيرها على جيش الاحتلال معلنة أن أولى القبلتين وكل بلاد فلسطين تنتظر من يفك الحزن عنها!!
* الملك السلوقي نسبة إلى البطالمة السلوقيين وهم خلفاء الإسكندر المقدوني.
المصادر والمراجع:
1ـ القرآن الكريم.
2ـ مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين بيروت 1975م دار الطليعة.
3ـ عارف العارف، المفضل في تاريخ القدس 1969.
4ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ.
5ـ عبدالعزيز مصطفى، قبل أن يهدم الأقصى دار الوطن للنشر الرياض 1410هـ ط2.
6ـ مجلة الفيصل العدد 232 شوال 1416هـ.
7ـ نشرة الأرض المباركة (فلسطين) الندوة العالمية للشباب الإسلامي الرياض.