ثم ننظر كذلك إلى القدوات التي صارت تعلوا هناك وترتفع .. إنها ليست قدوات المغنين والمغنيات ، أو الراقصين والراقصات ، أو اللاعبين واللاعبات ! إنها قدوات الاستشهاديين والاستشهاديات .. إنها قدوات اليوم يتحدث بها الصغير في سن السادسة والسابعة من عمره .. لقد أصبحت البطولة شغفًا عظيمًا ، وأملًا كبيرًا ، وروحًا تسري في الدماء والعروق .
لقد صار القوم على غير ما نحن عليه في ترفنا وغفلتنا ، وانشغالنا بدنيانا ، واستسلامنا الضعيف الخانع لواقعنا ، ورضوخنا وذلتنا لهيمنة أعدائنا ..
لقد كسروا الطوق البشري ، وتعلقوا بالطوق الرباني .. لقد نظروا إلى الحقائق في ضوء الإيمان فعرفوا أن الظواهر لا تغني شيئًا ، وأن الحقائق وراء هذه الظواهر تكشف أن العاقبة للمتقين ، وأن جند الله لهم الغالبون ، وأن ذلك يُرَى رأي العين لمن كان في قلبه يقينٌ راسخٌ ، وإيمانٌ صادق ..
إنها كذلك عِبر إسلامية .. نظرة في كل أمرٍ من الأمور ، ليس هناك من الأسباب المادية ، ولا من الحقائق الدنيوية ما يمكن أن يفسر شيئًا من ذلك ! ولذلك هم يفسّرونه بالمعاني الإيمانية ، والسنن الربانية ، والحقائق المعنوية .. وذلك ما نراه في واقع ذلك التضييق .
وانظروا إلى كثرة الناس في المساجد ، ودروس العلم ومسيرات البيارق في المسجد الأقصى ، وعناية الناس بالعمل الخيري ، وتكاتفهم وتعاطفهم مع كل شهيد يُستشهد ، كيف يخلف في أهله رغم شدة الظروف وقسوتها وعظمة الفقر وسعته .
لقد تغيرت الصورة إلى صورة لن نقول إنها نموذجية ، لكنها تحقق حدًا من المعاني الإيمانية والإسلامية في صدق الإيمان ، وفي قوة اليقين ، وفي التعلق بالله عز وجل ، وفي الارتباط بمنهجه ، وفي الاقتداء بسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ حتى تجددت عندنا معاني غائبة في واقع حياتنا ؛ من إيثار الآخرة على الدنيا ، ومن التضحية والفداء في ميادين المعارك والجهاد ، وذلك أمرٌ آخرٌ ينبغي الالتفات له ، وفي مقابل ذلك أيضًا جاء التغيّر عند القوم الذين يعادونهم ، عند شذّاذ الأرض وأفاعيها وأفاكيها ؛ من اليهود الغاصبين - عليهم لعائن الله - لقد كانت أجيالهم الأولى أشد ارتباطًا بعقيدتها منهم وأكثر تضحية ، وجاءت الأجيال المتتالية والمهاجرون الذين وعدوا بالنعيم والترف والثراء فتغيروا ، ولم يعد حالهم كحالهم الأوائل . وجاء ذلك أيضًا بسنة الله عز وجل فيما هم عليه .
ونحن إنما نشير إشارات ونضيء إضاءات ؛ لعلنا نعتبر وندّكر .. أنتقل إلى آيات أخرى:
قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } .
يخاطبنا الله فيقول: { فاعتبروا يا أولي الأبصار } يا أصحاب العقول انتبهوا ، والتفتوا إلى الحقائق ..
أمر عجيب .. جيش هو الخامس في العالم ، وشراذم من حيث الناحية المادية والعددية ، قليلة لا تملك من أسباب القوة المادية شيئًا يذكر بالمقارنة لعدوها ! وما هي النتيجة ؟!
انظروا إلى هذه الآيات تصف لنا حال فئة من اليهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد أن نقضوا العهود ، وطعنوا المسلمين في ظهرهم ، وأرادوا ارتكاب الجريمة العظمى بمؤامرتهم على قتل المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقد بنو الحصون وعندهم الأموال الطائلة .. هذه الآيات تصف ما كانوا عليه من أوهام الدنيا التي يعيشون فيها ، بل إن القرآن يخاطب أهل الإيمان { مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا } ما كان أحد يتصور ذلك ! مقام طويل ، ومال وفير ، وعدد غفير ، ومجتمع مترابط منعزل عن غيره !
قال تعالى: { مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ } أخذوا أسباب القوة المادية بأعظم وأعلى صورها { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا }
إن قدر الله غالب ، وإن سنته ماضية ، وإن نصره لعباده متحقق ، وإن العاقبة للمتقين .. ذلك ما تكشف عنه هذه الحقائق ونحن ننظر إلى المواجهة غير المتكافئة .. فماذا نرى ؟
يأتينا كثير من الناس ليرينا الجانب المظلم .. كم قتل من أبناء فلسطين ، كم هدّم من بيوتهم .. وكأنهم يمكن للناس أن يأخذوا حقوقهم من غاصبيها ، وأن يستعيدوا كرامتهم من مهينها دون أن يدفعوا ضريبة ! ولكن يكفيهم أن يجلسوا على الطاولات ، وأن يعقدوا المؤتمرات ، وأن يأكلوا أشهى الوجبات ، ثم يصدروا البيانات وفي آخر الأمر يحققون الانتصارات !
مَنْ مِن المغفلين يصدّق إن هذا يمكن أن يقع في واقع الحياة ! وكيف استطاع أولئك الشذاذ المجرمون المغتصبون لهذه الأرض أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه ؟