[ {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ } (سورة الأنعام: 34) ]
أي: ولقد كذب الأقوام السابقون رسلا كثيرين جاءوا لهدايتهم، فكان موقف هؤلاء الرسل من هذا التكذيب والأذى الصبر والثبات، واستمروا على صبرهم وثباتهم حتى أتاهم نصرنا الذي اقتضته سنتنا وأحكامنا التي لا تتخلف.
ولقد جاءك أيها الرسول الكريم من أخبار إخوانك الأنبياء السابقين ما فيه العظات والعبر، فعليك أن تستبشر بأن النصر سيكون لك ولأتباعك.
ومن الآيات التي بشرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن العافية ستكون له ولأتباعه، كما كانت للأنبياء السابقين وأتباعهم قوله تعالى:
[ {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } (سورة المجادلة: 21) ]
وقوله سبحانه:
[ {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ"171"إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ"172"وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ"173"} (سورة الصافات: الآيات 171 ـ173) ]
[ {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (سورة غافر: الآية 51) ]
كذلك من أهداف القصة في القرآن الكريم: الاعتبار والاتعاظ. قال تعالى:
[ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ]
وهذه الآية الكريمة هي الآية الأخيرة التي ختم الله تعالى بها سورة يوسف عليه السلام، التي اشتملت على احسن القصص وأحكمه وأصدقه وأشده أثرا في النفوس .. أي: لقد كان في قصص أولئك الأنبياء الكرام، وما جرى لهم من أقوامهم، عبرة وعظة لأصحاب العقول السليمة، والأفكار القويمة، بسبب ما اشتمل عليه هذا القصص من حكم وآداب وإرشادات.
وما كان هذا الذي قصصناه حديثا مختلقا أو كاذبا، وإنما هو حديث لحمته وسداه الصدق الذي لا يحوم حوله الكذب، والتأييد لما صح من الكتب السابقة التي امتدت إليها أيدي الفاسقين بالتحريف والتبديل، والتفصيل والتوضيح للشرائع السابقة، والهداية والرحمة لقوم يؤمنون به، ويعملون بما فيه من أمر أو نهي.
والعبر والعظات التي نأخذها من قصص القرآن الكريم، لها صور شتى منها: بيان حسن عاقبة المؤمنين، الذين ثبتوا على الحق، وابتعدوا عن الباطل، وتابوا إلى الله تعالى توبة صادقة، وشكروا الله تعالى على نعمه، بأن استعملوها فيما يرضيه لا فيما يسخطه.
ونرى نماذج لذلك في قصة سليمان عليه السلام الذي آتاه الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فلم يبطره هذا الملك، ولم يشغله عن ذكر الله تعالى بل قال كما حكى القرآن عنه"هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر".
ونرى نماذج لذلك في قصة ذي القرنين، الذي مكن الله تعالى له في الأرض، فاستعمل ما آتاه الله من قوة في الخير لا في الشر، وفي الإصلاح لا في الإفساد.
ونرى نماذج لذلك في قصة أصحاب الكهف، الذين آمنوا بربهم، وزادهم الله تعالى إيمانا على إيمانهم، بسبب ثباتهم على الحق.
نرى نماذج لذلك في قصة قوم يونس عليه السلام الذين استجابوا لدعوة الحق، وصدقوا نبيهم فيما أخبرهم به، وأخلصوا دينهم لله تعالى.
[ {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } (سورة يونس: الآية 98) ]
والمعنى: فهلا عاد المكذبون إلى رشدهم وصوابهم، فآمنوا بالحق الذي جاءتهم به رسلهم، فنجوا بذلك من العذاب، كما نجا منه قوم يونس عليه السلام بسبب ندمهم على ما فرط منهم، وإيمانهم إيمانا صادقا، وتوبتهم توبة نصوحًا، فعاشوا آمنين إلى حين انقضاء آجالهم في هذه الدنيا ..
ومنها: بيان سوء عاقبة المكذبين، الذين أصروا على كفرهم، ولم يستمعوا لنصائح أنبيائهم، واستحبوا العمى على الهدى، وجحدوا نعم الله تعالى واستعملوها في المعاصي لا في الطاعات.
ونرى نماذج لذلك في قصة قارون الذي آتاه الله تعالى من النعم ما أتاه، فلم يشكر الله تعالى على نعمه، بل قال بكل غرور وصلف:"إنما أوتيته على علم عندي".
كما نرى نماذج لذلك في قصة أهل سبأ الذين قال الله تعالى في شأنهم: