ويشرح حذيفة رضي الله عنه أحوال القلوب بحسب صحتها ومرضها وحياتها وموتها فقال: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط عليه غلافه، وقلب منكوس وقلب مصفح. فأما القلب الأغلف فقلب الكافر .
وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر.
وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، مثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه.
فالقلب السليم هو قلب المؤمن المستضيء بنور إيمانه المتجرد في إخلاصه لربه، وأما الفاسق فقد اختلط في قلبه الماء مع القيح المؤذي، فأي المادتين غلبت أحالت القلب إليها، والظاهر أنه يقصد بالقلب المصفح الذي فيه إيمان ونفاق أنه الرياء ونحو ذلك من نفاق الأعمال وليس النفاق الاعتقادي الذي يكون أصحابه في الدرك الأسفل من النار.
فالقلب إذًا يمرض كما يمرض البدن وشقاؤه في التوبة والحمية من الوقوع في المعاصي والآثام، والقلب يصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر.
والقلب يعرى كما يعرى الجسم وزينته ولباسه التقوى والقلب يجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وغذاؤه وشرابه هو في معرفة الله تعالى وحبه والتوكل عليه والإنابة له سبحانه ودوام طاعته وعبادته.
فعلى المؤمن أن يضرع إلى الله ويلجأ إليه ويلح في الدعاء بأن يثبت الله قلبه على الإيمان، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الدعاء ويقول في دعائه"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"فقال أنس راوي الحديث: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال:"نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء".
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى عليه وآله وسلم يقول:"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك". وإذا كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم يدعو الله بهذا الدعاء فكيف بنا نحن، المقصرون في حق الله المسرفون على أنفسنا. إن علينا جميعًا أن نهتف ضارعين من سويداء قلوبنا سيما في الأسحار وفي السجود قائلين ? رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ? [ آل عمران:8] .
من علامات صحة القلب وسلامته: نفرته من المعاصي وكرهه للذنوب صغيرها وكبيرها، ومن علامات المعصية: تهاونه واستخفافه بها واقتحام المحقرات من الذنوب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله:"إياك ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه".
ولقد كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يتخوفون من الذنوب، ويستعظمون الوقوع فيها حتى أن أنس بن مالك رضي الله عنه وهو من المعمَّرين من الصحابة كان يقول للتابعين: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله من الموبقات.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مثل المحقرات كمثل قوم على سَفَرٍ، نزلوا بأرض قفر، معهم طعام لا يصلحه إلا النار، فتفرقوا فجعل يجيء هذا بالروثة، ويجيء هذا بالعظم، ويجيء هذا بالعود حتى جمعوا من ذلك ما أصلحوا به طعامهم، قال: فكذلك صاحب المحقرات يكذب الكذبة، ويذنب الذنب ويجمع من ذلك ما يكبه الله على وجهه في نار جهنم.
وقال بعض السلف في التحذير من الوقوع في المحقرات لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت وقال كفى به ذنبًا أن الله يزهدنا في الدنيا، ونحن نرغب فيها.
أيها المؤمنون إن من أسباب غفلة القلب وانحرافه انصراف العبد عن مواطن العبادات وأماكن الطاعات التي أمر الله بعمارتها وجعل عمارها أهل الإيمان والتقوى وامتدحهم الله بقوله: ? إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ? [ التوبة:18] وقال: ? فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ? [ النور:36ـ37] .