إن من السهل أن نلقي الملام على عدونا، ولكن هذا الكلام ليس دقيقًا، فالعدو إنما نفذ من خلالنا، وبحبل منّا؛ بلغ ما يريد حتى الشيطان نفسه - وهو أعظم الأعداء - يقول يوم القيامة في خطبته الشهيرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه:وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُم [22] { [سورة إبراهيم] . وإذا نظرنا اليوم إلى عدونا، وقد نفذ إلى مجتمعاتنا، وإلى بلاد الإسلام كلها؛ فعلينا أن نلوم أنفسنا، وأن نعود إلى ذواتنا، وأن ندرك أنه ما كان هناك شيء ليحدث لولا أننا تجاوبنا مع هذا الكيد.
القاعدة الرابعة:إن كيد العدو ضعيف، ومكره إلى تبار: قال الله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [30] { [سورة الأنفال] ويقول الله تعالى: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [76] { [سورة النساء] ويقول:وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [25] { [سورة غافر] أي: في ذهاب وضياع، ولا قيمة له ولا بقاء له، فهذه الآيات تدل على ضعف كيد الشيطان، وأتباع الشيطان من الكافرين، وزواله، وذهابه، وضلاله، وأنه لا يبلغ أثره.
وفي المقابل هناك آيات أخرى تتحدث عن عظيم كيدهم ومكرهم، قال الله تعالى:وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [46] { [سورة إبراهيم] فسبحان الله، انظر إلى واقع الحياة المشهود اليوم؛ لترى مصداق ما أخبر به الله في كتابه الحكيم، الذي: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [42] { [سورة فصلت] فأنت اليوم حين تقرأ عن خطط أعداء الإسلام، ودراساتهم، واحتياطاتهم؛ تحس بعمق الكيد، وخبثه، ودهائه، وأنهم يحسبون لكل شيء حسابًا، ويدبرون أدق التدبير، وأعظمه، فلهم حيل وأساليب خفية لايدركها أكثر الناس، فهنا نتذكر قول الله تعالى:} وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [46] { [سورة إبراهيم] ، يعني: هو مكر دقيق، لو بلغ أثره، وتحقق مقصده؛ لزالت الجبال لسببه، لكننا نجد أن الجبال باقية في مكانها، إذًا مكرهم دقيق، وبعيد، ولكن آثاره أقل مما يدبرون، ويمكرون، ويتصورون.
فإذا نظرت في المقابل إلى الآيات الأخرى التي تتكلم عن ضعف كيدهم:إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [76] { [سورة النساء] وجدت مصداق ذلك اليوم في أعمال كثيرة، ظنوا أنها بأيديهم، فإذا بالأمر يكون خلاف ما يتوقعون، وتكتشف ضعف الكيد ووهنه، وكثرة ثغراته في أمور كثيرة منها مثلًا:
من الأوضاع والأحوال والأحزاب: لقد كان العالم الغربي يتعامل مع الشيوعية على أنها قوة باقية لعشرات السنين وصرحوا بذلك، نعم كان للعالم الغربي يد في سقوطها، لكن اليد الغربية كانت يدًا واهيةً ضعيفة، وأما الذي أسقط الشيوعية، فهي السنن الإلهية العظيمة.
مثال آخر: ظنوا أنهم قد قضوا على جميع التحديات التي كانت من بقايا الشيوعية، فإذا بتحديات جديدة تبرز أمامهم في بلاد العالم الإسلامي، وفي البلقان، وفي الصين، وفي غيرها وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [30] { [سورة الأنفال] .