وفي ميدان العلم كان جابر وابن عباس وأنس وابن عمر وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل رضوان الله عليهم من فقهاء ومحدثي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
ولعله أن تتاح فرصة لأن نشبع الحديث حول هذا الموضوع المتعلق بشباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إما مسموعًا أو مقروءًا بإذن الله سبحانه وتعالى (وقد تم بحمد الله بعد هذه المحاضرة بسنوات إخراج كتاب بعنوان شباب الصحابة مواقف وعبر) .
الثامن: أين المشكلة في التاريخ الإسلامي؟
لو ألقيت هذا السؤال على من له أدنى صلة بالتراث الإسلامي لأجابك بالنفي مباشرة، فحين نقرأ ما سطره السلف في أي فن من فنون العلم فإننا لا نجد أثرا لهذه المشكلة، نعم قد تجدهم يوصون الشاب بالعبادة والطاعة، لكن هل تجد الحديث المستفيض حول مشكلات الشباب وعن أزماتهم وعن عالم المراهقة الذي نعيشه الآن؟ هل تجد الحديث عن انحراف الشباب
لقد كان الشباب آنذاك في حلق العلم ومجالسه، فما إن يبلغ أحدهم السابعة أو الثامنة حتى تراه قد أتم حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، أو قطع مرحلة فيه، ثم أصبح يثني ركبه في مجالس العلم مستمعًا ومقيدا لما يسمعه، ولهذا فقد كان الحديث عن سماع الصغير، ورواية الصغير، وحضوره مجالس العلم، كان الحديث عن ذلك يأخذ حيزًا واسعًا من حديثهم عن الشباب .
هكذا كان الشباب في سلف الأمة، وهذا يعني بالضرورة أن هذه المشكلة لم تكن موجودة عند سلفنا، فأنت تجد الحديث عن صبوة الشباب وتصابي الشيوخ، لكنها لم تكن بهذا القدر وهذا الحجم الذي نعيشه اليوم، بل ولا قريبًا منه.
وهذا يعني أن واقع الشاب اليوم إنما هو نتاج طبيعي للمرحلة التي يعيشها، بل ثمة عوامل عدة أسهمت في معاناة المراهق وصبوته.
التاسع: مع النماذج المعاصرة؟
ننا ومع ما نعيش الآن من أزمات المراهقين ومشكلاتهم، إلا أننا نرى نماذج تثبت خطأ هذه النظرة. فمن هم عمار المساجد؟ ومن حفاظ القرآن الكريم؟ ومن رواد مجالس العلم ودروس العلماء؟
لو تأملت في حفاظ القرآن الكريم لرأيت عامتهم في هذا السن، ولو أجريت جولة سريعة على مجالس العلم لرأيت أن معظم روادها من هؤلاء.
وفي عالم الجهاد لم ننسى جميعا كم هم الشباب المراهقون الذين دفنوا هناك في بلاد العجم في حين كان أقرانهم وأترابهم يسافرون إلى حيث الفساد والرذيلة.
لقد ذهبوا وهم يتمثلون بقول ابن رواحة -رضي الله عنه-:
إذا أديتني وحملت رحلي ** مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم ** ولا أرجع إلى أهل ورائي
وجاء المسلمون وخلفوني ** بأرض الشام منجدل الثواء
هناك لا أبالي طلع بعل ** ولا نخل أسافلها رواء
لقد كان المسلمون يظنون أن تلك القصص والروايات التي تروى عن البطولات وعن الشهادة قد أغلق عليها في كتاب لن يفتح أبدا، إنما سيبقى حبيسًا في ذاكرة التاريخ.
العاشر: شواهد من علم النفس المعاصر
حقيقة أخرى نختم بها هذا الحديث، فكثير من علماء النفس وعلماء التربية اليوم يشككون في صحة هذه الدعوى، ويرون أنها مبالغ فيها.
ومن علماء النفس المعاصرين الذين ناقشوا في مدى مصداقية مقولة أزمة المراهقة امرأة غربية اسمها (مارجرت ميد) فهي تعتبر المراهقة مرحلة نمو عادي، ومادام هذا النمو يسر في مجراه الطبيعي لا يتعرض المراهق لأزمات، وقد اهتمت هذه المرأة بدراسة المجتمعات البدائية، تقول: وفي هذه المجتمعات تختفي مرحلة المراهقة، وينتقل الفرد من الطفولة إلى الرشد بعد احتفال تقليدي.
ويقول الدكتور عبدالرحمن العيسوي: جدير بالذكر أن النمو في مرحلة المراهقة لايؤدي بالضرورة إلى أزمات، ولكن النظم الحديثة هي المسؤولة عن أزمة المراهقة.
ويقول الدكتور ماجد الكيلاني:"وقد أفرز فقدان ذلك مضاعفات سلبية في حياة الناشئة أهمها ما سماه فقهاء التربية الحديثة بالمراهقة، وهذه فتوى خاطئة أصدرها علماء النفس المحدثون تبريرا للسياسات الجائرة التي يمارسها مترفو العصر من أصحاب الرأسمالية والشركات الدولية، المراهقة ليست ظاهرة حتمية في تطور العمر الزمني للإنسان إنها مشكلة يمكن تجنبها كليا في حياة الفرد، وألا يمر بها الإنسان أبدا وهي من مزاعم علماء النفس في المجتمعات الصناعية الرأسمالية، ومرض من أمراضه الاجتماعية"
خلاصة الموقف من مشكلات المراهقة
إنه لا اعتراض على أن هذه المرحلة مرحلة صعبة، بل هي من أصعب مراحل العمر، ولا على أن كثيرًا من مشكلات الشباب وأزماتهم تقع في هذه المرحلة، إنما اعتراضنا ينصب في أمور:
الأول: إهمال الوجه الآخر؛ وهو أن المراهقة مرحلة التكليف الشرعي ودخول الشاب إلى عالم الرجال
الثاني: إهمال البعد الديني وإقبال المراهق على التدين والعبادة.
الثالث: افتراض أن مشكلات المراهقة ملازمة لهذه المرحلة، وليست نتاج الواقع المعاصر والأخطاء التربوية التي تمارسها التربية المعاصرة.
الرابع: اعتقاد أن الشاب معذور فيما يأتيه من الصبوة والانحراف بحجة كونه مراهقًا.