فهرس الكتاب

الصفحة 10494 من 27345

? وطائفة تستعرض أخبار السقطة في المجتمع، وما يقترفونه من منكرات، وليس النقل لهذه المنكرات بالتلميح، وإنما بالتصريح، حتى يقوم السامع من مجلسه الذي سمع فيه هذه الأحداث وقد ضعف إيمانه، وتبلدت أحساسيسه من هذه الأنباء التي يسمعها، حتى لو خرج من هذا المجلس فوجد منكرًا أمامه فإنه لا يغيره، ولسان حاله يقول: هذا منكر من بين مئات المنكرات التي سمعتها في المجالس، فلن يقدم تغييري لهذا المنكر شئ، ولن يؤخره، حتى يصل إلى حد استمراء السكوت عن المنكر؛ نتيجة لهذا الإرجاف.

? ومن هؤلاء من يعطيك نبذة موجزة، وأخرى مطولّة عن التراجع والانتكاس في صفوف الصالحين من كثرة الفتن المحيطة بهم، والحرب الكلامية ضدهم، فيعمم هذا الداء حتى تظن من خلال هذا الإرجاف أن الناجين قليل، وأن الثابتين على دينهم يعدون على الأصابع، فيعكس هذا الإرجاف في نفسك الضعف والمرض، حتى تقف على شفا جرفٍ هارٍ، فتفقد حرارة الإيمان، وحلاوة الطاعة بسبب هذه الأنباء المقلقة.

نصح وإنكار.. لا إرجاف: ولا نعنى بكلامنا السابق أن نغمض أعيننا عن الواقع وما فيه من الفساد، ونخدر الناس بأننا بخير والحمد لله، وأن ليس في الإمكان أفضل مما كان. وإنما ننكر على من يتكلم بروح انهزامية مشيعًا لليأس والخوف في صفوف المسلمين، دون أن يقدم حلًا، أو علاجًا لما يذكره.

? أما من كان من أهل الإصلاح، ويحذر المسلمين مما يقع في مجتمعهم من فساد أوشرور، مع الاتزان في كلامه دون تهويل ولا تهوين، يتكلم بنبرة المسلم الحق المستعلي على الباطل؛ مشيعًا لروح الإصلاح والتغيير، وناشرًا لمعاني قوله تعالى: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [21] {'سورة يوسف' وقوله:} يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [8] 'سورة الصف' .

وهو مع ذلك أيضًا يقدم العلاج النافع، والحل الدافع لما يذكره من خلل؛ أما من كان شأنه كذلك، فهذا من المصلحين، وهو بذكره للخلل وعلاجه يكون ممن يعمل بقوله تعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [55] 'سورة الأنعام' .

?وخلاصة القول: أن المسلم إذا رأى منكرًا، فإنه لا يسكت عنه خشية الإرجاف في أوساط الناس، وإنما يغير المنكر بالمعروف، لا بما هو أنكر منه.

دواعي الإرجاف: أسباب الإرجاف، ودواعيه كامنة في غايتين:

الغاية الأولى: إظهار ضعف المسلمين، وتوهين قواهم؛ وهذا ما يسعى له أعداء الإسلام من خلال نشراتهم وإعلاناتهم وأخبارهم؛ وهو ما يسمى: بـ 'الإرهاب الفكري' ، و'الحرب النفسية'.

الغاية الثانية:حبّ نقل الأخبار دون أن يكون هناك قصد سيئ، ودون أن يكون هناك علم بنتيجة ما يقولونه، وما يتناقلونه، وإنما القصد هو استعراض المعلومات، والظهور لدى الآخرين بمظهر المعرفة والعلم بما يجرى في أوساط المجتمعات.

نتائج الإرجاف: من هذه النتائج ما يخدم مصالح الأعداء مباشرة ، ومنها ما يهز كيان المسلم بدينه، ويضعف همته عن العمل الدعوي والإصلاحي، فيكون ذلك مكسبًا للأعداء أيضًا، بطريق غير مباشر، فمن هذه النتائج:

? تخويف المسلم من عدوهِّ حتى لا تتم المواجهة، وحتى يكون المسلم ذليلًا تحت عزة الكفار المصطنعة من خلال هذا الإرجاف.

? إماتة النصرة الإسلامية في نفوس المسلمين لإخوانهم في العالم، وإماتة الآمال في إعادة أمجاد المسلمين من خلال بث الأحداث الكاذبة التي توحي بهزيمة المسلمين، وكسر شوكتهم.

? توقف العمل الدعوي والإصلاحي والإغاثي في تلك البلاد التي أعلن عنها بأنها دمرت وأصبحت في قبضة اليهود أو النصاري.

? فقدان المسلمين لأراضيهم، والتنازل عن مبادئهم من خلال هذا الإرجاف، حتى لا يبقى للمسلمين حق في أراضيهم، ولو بعد حين.

? جعل المسلم البعيد عن تعاليم دينه أسيرًا لهذا الإرجاف، فتتشبع روحه، ويتغذى عقله من هذا، حتى ينسى التوكل على الله، والاستعانة به، فيصل به الحال إلى اليأس من روح الله، والقنوط من نصرة الإسلام، فلا يبعد على ضعيف الإيمان، وعلى الجاهل بدينه أن يرتد بسبب هذا.

? إضعاف إيمان الآخرين بنقل أحداث السقطة، والسفهاء من الناس، والنفس البشرية تتأثر بما يجري حولها سلبًا وإيجابًا.

? إدخال الحزن والهم على الغيورين على دين الله من خلال تضخيم المنكرات لهم، ونقلها بصورة مبالغ فيها، فيتأثرون بمثل هذا النقل المزيف، وهو في الواقع أقل من هذا بكثير.

? تشجيع أهل الباطل وحثهم على استمراء أعمالهم بطريقة غير مباشرة؛ فكأن المرجف يقول لهؤلاء: الطريق لكم مفتوح، وليس أمامكم ما تخشونه؛ ففي كل وادٍ بنو سعد، والشر قد عمّ وطمّ ، فاعملوا ما شئتم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت