فهرس الكتاب

الصفحة 10568 من 27345

وأتم الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته نعمته العظمى بإتمام بناء أفضل مسجد بعد المسجد الحرام، بناه أفضل نبي مرسل بأفضل دين. كان بناء مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بناء متواضع بسيط في عمارته وإنشاءه تسوده السماحة الفطرية والسهولة واليسر ويحوطه النور من أقطاره وتحف به الهداية من جوانبه، مئة ذراع طولًا ومئة ذراع عرضًا، سقفه جريد النخل، وعمده الجذوع وفرشه الرمل والحصباء، وبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب المسجد حجراته بالطريقة التي بنى بها المسجد من حيث البساطة والتواضع.

أيها الأخوة المؤمنون: لم تكن عناية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفائقة ببناء مسجده من اللحظة الأولى التي وطئت قدمه الشريفة أرض المدينة المنورة هذه العناية والاهتمام والتقديم على أي عمل آخر من أعمال البناء والتأسيس في مستقره ودار هجرته وموئل دعوته ومأرز رسالته وعاصمة أمته وقاعدة جهاده لمجرد أن يكون المسجد مصلى تقام فيه الصلاة فحسب ثم ينصرف الناس معرضين كما هو الحال في عصرنا وإنما كانت هناك حكمة عظيمة ومقاصد كبيرة من وراء ذلك نشير إلى بعض منها:

إن الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة والسير بها قدمًا تحتاج إلى مكان عام يتناسب مع عموم الرسالة وخلودها. تأرز عليه ، ويأوي إليه المسلمون ، يتساوون فيه، لا يملك أحد من الناس فيه شيئًا، إنه مكان تملكه أمة الإسلام حيثما كان أفرادها وجماعاتها. كانت الضرورة تقتضي أن يكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكان عام يتسع له ولأصحابه والقادمين عليه طلبًا للهداية ورغبة في الإيمان، وسماعًا للذكر والقرآن، وحضور الصلوات خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجمع والجماعات ، فيتماسك المجتمع ويتآخى ويتعاون أفراده وإنما يتحقق ذلك في رحاب المسجد وبين جنباته.

وفي المسجد تتم الشورى وهي دعامة من دعائم هذا الدين الحنيف، سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتكون نهج أمته من بعده، يقيها مغبة الاستبداد الفردي ويدفع عنها التسلط والظلم والبغي، لأن الأمة إذا أقامت حياتها على مبدأ الشورى سلم لها مستقبلها واستنار طريقها للخروج من المآزق والأزمات، فكل أمر ذي بال كان المسلمون يتشاورون ويتداولون الرأي فيه في المسجد.

وهذا الدين دين العلم والمعرفة والتعليم والقراءة ، كانت الضرورة تقتضي أن يكون للمجتمع الجديد مكان عام يدرس فيه العلم بأوسع وأعم معانيه، ليشمل العقيدة وبراهينها، ويشمل التعبد وأحكامه، ويشمل نظام الحياة في المعاملات ليقوم الناس بالقسط ، ويشمل سياسة الأمة وعلاقتها مع بعضها أفرادًا وجماعات، أو مع غيرها حكومات وشعوبًا.

لأن المجتمع المسلم مكلف بقيادة الحياة في كل مجالاتها وهداية البشرية إلى هذا الدين العظيم وهذا هو منبع خيرية هذه الأمة كما قال الله تعالى: ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..? [آل عمرآن:110] .

إن بناء المسجد كان ضرورة للمجتمع المسلم الجديد الذي يتسع ويتزايد ويتعاظم كمًا وكيفًا . مكان عام جامع يأوي إليه الغريب الذي قدم راغبًا في الإيمان والهداية، ويأوي إليه الفقير الذي ليس له مسكن يسكنه، والمسكين الذي لا يجد ما يسد جوعته ممن ليس لهم رغبة في حطام الدنيا ومتاعها ولكنهم رغبوا في الانقطاع والعبادة وتعلم العلم ممن قال الله فيهم: ?...يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...? [الأنعام:52] .

وقد كان لهم في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - مكان يأوون إليه وهم ضيوف الإسلام عرفوا بأهل الصفة ، وكانوا يقلون ويكثرون حسب طوارئ الحياة.

وكان بناء المسجد ضرورة لأن المجتمع الجديد يحتاج إلى مكان عام لا يضيق عن إيواء جريح من كتائب الله وجنده في معارك الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته. ليكون هذا الجريح قريبًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده متى شاء وينظر في أمره، ويقوم بحاجته، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أولى المؤمنين من أنفسهم.

لقد أُنشئ المسجد ليكون منطلقًا ، منه تصدر الأخبار والرسائل، وفيه تتلقى الأنباء السياسية سلمًا وحربًا، فيه تتلقى وتقرأ رسائل البشائر بالنصر، ورسائل طلب المدد، وفيه يُنعى المستشهدون في معارك الجهاد ليتأسى بهم المؤمنون ويقتدى بهم المتنافسون.

أُنشئ المسجد ليكون مرصدًا ومرقبًا للمجتمع المسلم، يتعرف منه المسلمون على حركات العدو ويرقبونها ولا سيما ممن يساكنوهم ويخالطوهم في بلدهم من شراذم اليهود وزمر المنافقين والمشركين، هذه الأمور والحكم قصدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جعل أول عمل يقوم به منذ اللحظة الأولى هو بناء وتأسيس المسجد. وسيظل المسجد مصدرًا للطاقة والهداية والنور لهذه الأمة وإن رغمت أنوف الكافرين والمنافقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت