ولعل ما تعرضت له النساء الشيشانيات من قتل الزوج والابن والأب (1800 رجل قتلتهم القوات الروسية على مدى الأشهر الستة الماضية فقط) ، ناهيك عن جرائم الاغتصاب والتشريد؛ هو الدوافع الرئيسة وراء قيام عناصر نسائية بتلك الأعمال شديدة الدقة والجرأة. فالتقاليد القوقازية الصارمة المدفوعة بمبادئ الشهادة الإسلامية وجهاد من قتلوا الأب والزوج تقف بقوة وراء تطوع الشيشانيات للعمل الاستشهادي اعتمادًا على اليسر النسبي في حركتهن داخل التجمعات الروسية في وقت يتعرض فيه القوقازيون لتوقيف مستمر في المدن الروسية وملاحقة متتابعة لسهولة التعرف على ملامحهم وسط العرق الروسي السائد.
واختزل فاليري فيرشاجين الباحث في شئون القوقاز الأمر بقوله: إن هؤلاء النسوة"فقدن على أيدي الروس كل ما يخفن عليه، وصار هدف الانتقام أسمى الغايات بعد أن أجبرن على السير في نفس المسار الذي سارت فيه النساء الفلسطينيات".
واعتبرت منظمة حقوق الإنسان الروسية"موموريال"-التي ترصد انتهاكات موسكو لحقوق الإنسان- أن ما تقوم به النساء الشيشانيات من"انتحار"عمل يرفضه الإسلام وترفضه التقاليد القوقازية التي تحترم المرأة وتقدس دورها"المدني"، أو كما رأى بعض المراقبين الروس فإن أصلان مسخادوف نجح في"غسل أدمغة هؤلاء النسوة، كما نجح قادة حماس في الوظيفة نفسها من قبل حينما قمن بالاستشهاد أو استقبلن نبأ استشهاد أبنائهن بالزغاريد".
5-أما عن جغرافية عمليات المقاومة فقد كانت العاصمة جروزني المكان الأول على مدى عام 2002. وشهدت نهاية عام 2002 والنصف الأول من 2003 خروج عمليات المقاومة إلى خارج جمهورية الشيشان وخاصة إلى العاصمة موسكو. وهنا قضية شديدة الحساسية في تجاوب الشعب الروسي مع قضية استقلال الشيشان، فمن ناحية هناك ملايين الروس الذين يؤمنون بحق الشيشان في الاستقلال وضرورة انسحاب روسيا منها (بلغت نسبتهم في عديد من استطلاعات الرأي أكثر من 55%) ، بيد أن وصول العمليات"الاستشهادية"إلى المسارح والشوارع وساحات الاحتفالات يسحب جزءًا مهمًا من هؤلاء إلى فريق الكارهين لمسعى الاستقلال.
ولكن ألا يدري منفذو العمليات الفدائية هذه التداعيات؟ واقع الأمر أن هناك وعيا من قبل حركة المقاومة بهامشية الدور الذي يمكن أن يلعبه تعاطف المواطن الروسي مع الحق الشيشاني في الاستقلال، نظرًا إلى عدم فاعلية المشاركة السياسية للمواطن الروسي، وخاصة إذا مس الأمر قضايا الأمن القومي وشؤون المؤسسة العسكرية. وحتى الآن لم تفلح مظاهرة واحدة في الشارع الروسي في تغيير شيء من واقع الأمور في الشؤون الداخلية فضلًا عن إنهاك المواطن الروسي اقتصاديا؛ الأمر الذي يقلل فرص المشاركة في"ترف التظاهر".
وهكذا يبدو المكسب الأول لنقل العمليات الانتقامية إلى العاصمة موسكو جذب الانتباه إلى القضية ومحاولة تغير التشويه المعلوماتي الذي تمارسه روسيا.
6-وعلى مسار التعتيم الإعلامي استنكر بعض المفكرين الغربيين المتعاطفين مع القضية الشيشانية تناقض سلوكيات المجتمع الدولي تجاه ما يمارسه شارون في فلسطين وما يمارسه بوتين في الشيشان في الوقت ذاته. وفي ذلك أعطى جاكسون ديل في واشنطن بوست (29/4/2002) مثالا قارن فيه كيف يتابع العالم بشغف اقتحام المخيمات الفلسطينية عبر عدسات أكثر من 1000 صحفي في وقت لا يوجد سوى صحفيين فقط في الشيشان يتابعان ما يجري بها من انتهاكات. بل إن العالم أبدى قلقه لقيام شارون باجتياح بلدة صغيرة مثل جنين في أبريل 2002 ولمرة واحدة خلال ثماني سنوات في الوقت الذي كانت قوات بوتين تجتاح بلدة بنفس الحجم وهي"تسوتسان يورت"33 مرة خلال 3 سنوات.
وهكذا فهناك ما يبرر حرص حركة المقاومة على الظهور على مائدة الأحداث العالمية، ساعية إلى تحقيق نصر معنوي يرفع من عزيمة المقاتلين ومؤيديهم، ولسان حال هؤلاء أن احتجاز الرهائن وقتل المدنيين عمل إجرامي لا جدال فيه، ويخالف مبادئ المحارب القوقازي المسلم! ولكن.. هل فيما تفعله روسيا"العظمى"-تقول المقاومة- من قتل وتشريد واغتصاب واعتقال، ما يتفق مع أي مبادئ للشرف العسكري، دع عنك الإنساني؟
وفي هذا الشأن قد يأتي هذا النوع من العمليات بهدف استعادة جزء من العقل الجمعي الإسلامي الذي انصرف عن القضية الشيشانية منذ مطلع العام الحالي مع أجواء الغزو الأنجلو أمريكي للعراق والسقوط المهين لبغداد، وما تلاه من خيبة أمل وزعزعة الإيمان في جدوى"المقاومة".
6-ويجب أن تعترف حركة المقاومة بما تسببه عملياتها خارج الشيشان من ضرر بليغ للشيشانيين في المدن الروسية الكبرى حيث يتعرضون للتوقيف والاعتقال، وتلفق لهم تُهم تعاطي المخدرات وتجارتها، ويلاحق أولادهم في المدارس فيفصلون لعدم التسجيل الرسمي، ويفقدون مصادر رزقهم.
وقد رصدت هيومان رايتس ووتش في تقريرها عن انتهاكات روسيا في الشيشان عرضا مفصلًا لنماذج من هذه الانتهاكات.