فهرس الكتاب

الصفحة 10840 من 27345

وحسب هذا التسلسل في الأحداث فإن صورة المقاومة قد تتعرض للتشويه لدرجة أعلن معها بوتين بعيد حادثة تفجير حفل موسيقى في موسكو (5/7/2003) أن"المقاتلين الشيشان أخطر عناصر شبكة الإرهاب العالمية". ولعل ذلك قد دفع بالبعض فسار وراء فكرة المؤامرة وافترض تدبير موسكو بعضًا من هذه الحوادث لتكريس حربها في الشيشان اعتمادًا على"خبرة"المخابرات الروسية في هذا النهج. (**)

وواقع الحال أن حركة المقاومة في موقف شديد الحساسية، وتقف حائرة أمام عديد من الملابسات التي تلقي عليها بالمسؤولية، وهي لا تملك أن تلقي بسلاحها بعد هذا المشوار الطويل من الصراع. كما أنها -وإن كانت تدري مدى شراسة الجيش الروسي في التنكيل بالشيشانيين بسبب نشاطها- تعلم في الوقت ذاته أن لغة القوة هي التي أجبرت روسيا عامي 1996-1997 على أن تقتنع، بعد مسلسل شيشاني من الضربات الموجعة ومعارك شوارع شديدة الجرأة، بإمكان قبول استقلال الشيشان، بل واضطر بوريس يلتسين نفسه أن يوكل مستشاريه للجلوس مع زعماء المقاومة للاتفاق على تأجيل قرار الاستقلال إلى عام 2001.

المراوغة السياسية الروسية

منذ أن بدأت حربها الثانية على الشيشان (1999-2001) تسير موسكو على محورين متوازيين هما: السحق العسكري لقوات المقاومة ومن يتعاون معها، والخداع السياسي في صياغة موقفها من مشروع الاستقلال الشيشاني. ولعله من المفيد أن ننظر إلى المحور الثاني عن كثب، وفيه سنجد موسكو قد دأبت على مدى العام الفائت في الترويج لثلاثة مشروعات سياسية ظاهرها إقرار السلام في الجمهورية التي أعيتها الحرب، وهذه المشروعات الثلاثة هي: دستور جديد للجمهورية، قرار بالعفو عن المقاتلين الشيشان، والتجهيز لانتخابات رئاسية.

الدستور

في شهر مارس من عام 2003 -وفي فترة كان العالم الإسلامي يحبس معها أنفاسه وهو يشاهد السقوط المتداعي للمدن العراقية- أجرت روسيا عملية انتخابية في الشيشان للتصويت على دستور جديد للشيشان. فالدستور"القديم" (الذي صيغ خلال فترة إعلان الاستقلال من جانب واحد في نوفمبر 1991) حدد علاقة روسيا بالشيشان بالانفصال التام، وتبع ذلك رفض الشيشان التوقيع على دستور الفيدرالية الروسية في يونيو 1992، باعتبار أن الأمر لا علاقة لها به (فهي دولة مستقلة آنذاك) .

وبعد الحرب الشيشانية الأولى وقعت روسيا والشيشان اتفاقية في أغسطس 1996 أرجأت البت في استقلال الشيشان عن روسيا إلى عام 2001. وجلست موسكو في العام التالي (1997) مع حكومة أصلان مسخادوف، وتم التوصل إلى اتفاقية سلام بين الجانبين.

غير أن الحرب الثانية التي شنها الكرملين في سبتمبر 1999 حققت لروسيا التحلل من الالتزام بالتفاوض حول استقلال الشيشان قبل أن يأتي عام 2001، ولتتحرر روسيا نهائيًا من التفاوض حول أي شكل من أشكال الاستقلال الشيشاني. وقد أعلنت موسكو منذ حربها الثانية رفض التحاور مع أصلان مسخادوف وأعوانه، وصنفتهم هذه المرة بالعصابة الإرهابية، كإعدام سياسي بدا بديلا عن الإعدام الجسدي المستعصي على الجيش الروسي.

وهكذا شهدت الشيشان في مارس 2003 استفتاء (أو بالأحرى مسرحية ديمقراطية) على دستور جديد للجمهورية. وبدلا من أن يكون الخيار المطروح أمام المصوت الشيشاني هو"هل تفضل بقاء الشيشان ضمن روسيا أم استقلالها؟"جاء السؤال:"هل توافق على إقرار السلام في الشيشان؟!"وكان على شعب الشيشان الذي نزف الدم الغزير أن يقف متسائلًا:"أي سلام؟ ومن يمنحه لمن؟".

وبإعراض الهيئات الغربية عن حضور هذه اللعبة، أعلنت روسيا عن نتيجة الاستفتاء بموافقة أغلبية الشعب الشيشاني (واللاجئون منهم في جمهورية أنجوشيا المجاورة) على الدستور الجديد الذي نص على أن تبقى الشيشان ضمن الفيدرالية الروسية مع إقرار حقها في مجلس برلماني وحكومة منتخبة وتوسيع صلاحيات الحكم الذاتي! وهو أمر لم يقدم إلا تكريسًا لرغبة موسكو في بقاء الشيشان تحت سيطرتها حيث نص مشروع الدستور على"الاتحاد بين روسيا والشيشان، وأحقية رئيس روسيا في إبطال سلطات الرئيس الشيشاني".

وقد جرى التصويت على مشروع الدستور في غياب مراقبين من الدول الأوربية (حضر مندوبون من منظمة التضامن الأفروآسيوي!) ، وسعى الشيشانيون من خلال التصويت إلى الحلم بحياة لن تكون بأي حال من الأحوال أسوا مما هو قائم.

العفو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت