في خطوة تالية قامت روسيا بطرح مشروع قانون على مجلس الدوما للتصويت على قرار حكومي بالعفو عن المقاتلين الشيشانيين الذين يسلمون أسلحتهم، بشرط ألا يكونوا قد ارتكبوا جرائم قتل من قبل. وبهذا الشكل كان مشروع القرار (الذي حظي بموافقة أغلبية البرلمان في 6/6/2003) استعراضا سياسيا، بدت معه موسكو ساعية إلى التسامح، وبانية للديموقراطية. وما لم يكن ظاهرا بوضوح في مشروع العفو، هو العفو عن مئات الجنود الروس المدانين بارتكاب جرائم في الشيشان، كاغتصاب النساء وقتل المدنيين وحرق دور الأبرياء والتمثيل بجثثهم. وقد سجلت منظمة العفو الدولية أحدث تقاريرها في مطلع يوليو 2003 بشأن مفهوم العفو عن الشيشان في أجواء انتهاكات القوات الروسية.
وبطريقة خلط الأوراق، بدا السؤال المنطقي"من يعفو عن من؟"وبامتلاكها الأحادي لوسائل الإعلام قامت روسيا بعرض صور متلفزة لعشرات الشيشانيين وهم يسلمون أسلحتهم وتعلو وجوههم علامات الخجل (المسرحية) ، بطريقة كانت مشابهة للحرب النفسية لاستسلام الجنود العراقيين في الأيام الأولى من غزو العراق. وبحلول الأول من أغسطس 2003 انتهت المهلة التي"منحتها"موسكو للمقاتلين لإلقاء أسلحتهم دون أن يخرج المقاتلون من الغابات والجبال لتسليم أنفسهم. ويمثل قرار العفو الحلقة الوسيطة بين صياغة دستور للجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية في نهاية العام 2003.
الانتخابات
أعلنت موسكو الخامس من أكتوبر 2003 يومًا لانتخاب الرئاسة الشيشانية بحيث تكون هذه الانتخابات نهاية جدل الارتباط العضوي بين الجمهورية (كمنطقة أطراف) وموسكو (كمركز للاتحاد الفيدرالي) . وينتظر كثيرون أن يكافأ أحمد قاديروف رئيس الإدارة الشيشانية الحالية بدعم موسكو في هذه الانتخابات.
ويبدي بعض المراقبين تحفظهم من أن موسكو قد لا تدعم قاديروف أمام مرشحين آخرين من رجال الأعمال والساسة القاطنين في موسكو وذوي الأصول الشيشانية بحجة أن قاديروف ربما تقوى شكيمته وينقلب على موسكو، وهو الذي أكل على موائد مختلفة، فانتقل من صفوف حركة الجهاد والمقاومة إلى التصالح مع موسكو وقتال"الإخوان"السابقين.
غير أن وجهة نظرنا قد تتفق مع افتراض دعم موسكو لهذا الرجل رئيسا، وأن ذلك سوف يحقق مزيدًا من الضعف السياسي في الجمهورية. فالرجل معروف للشيشانيين بتلونه السياسي، وهو الذي دعاهم من قبل إلى أن يقتل كل فرد منهم 150 روسيا لتحل مشكلة روسيا مع الشيشان، وهو الذي كان المفتي السابق في حكومة جوهر دوداييف، وهو الآن الذي يدعوهم -بتاريخه الديني السابق وسلطته السياسية الحالية- إلى محاربة"الانفصاليين"، بل ويعتقل من يتعامل معهم ويهدم بيته.
وبهذا الشكل فإن سيناريو الاقتتال الداخلي بين حكومة عميلة وحركة مقاومة ربما يكون هو أكثر السيناريوهات توقعا في الفترة القادمة، وستحقق روسيا من ذلك حفظ ماء وجهها، وستترك الشيشانيين"يصفون حساباتهم"بأفغنة الأوضاع السياسية الداخلية، عبر دعم عسكري وتشكيل طابور خامس يضمن بقاء الشيشان في المأساة لردح من الزمن.
ولقد استطاعت موسكو بالفعل التخلص من جوهر دوداييف بدعم المعارضة الداخلية في عام 1994؛ وهو ما اضطر الأخير إلى التحالف مع الإسلاميين لمواجهة التدخل الروسي في الجمهورية.
على مفترق الطرق
بالمراوغة الثلاثية السابقة (الدستور- العفو- الانتخابات) ترمي روسيا بالشيشان في منعطف زلق لا تبدو معه آمال في الاستقرار. فالوضع ربما يسير بتدعيم أعمدة الصراع القديمة، وهي:
1-مزيد من تدعيم الحكومة الموالية لموسكو ماليا وعسكريا وإعلاميا، مع تغلغل داخلي في أوساط الشيشانيين بالترغيب تارة (تعويضات مالية عن الدور المهدمة، أو التعيين في وظائف حكومية كالشرطة الشيشانية) مستغلة مناخ البطالة والفقر، والترهيب تارة أخرى (التهديد بالقتل والاعتقال) .
2-مطاردة عناصر المقاومة وتضييق الخناق عليهم، مع الاستعداد المبدئي لتحمل وقوع عملية كل عدة أشهر. ولا قلق لدى روسيا في هذا الشأن، فمعركة البقاء أعلى من خط الفقر تشغل بال الجميع، وحوادث القتل والاغتيال لأسباب سياسية أو مالية ليست بمستغربة على الشعب الروسي، ومساحات التظاهر معدومة أو مختنقة.
3-روسنة الشيشان بإتاحة فرص أكبر للتأثير الثقافي الروسي في الجمهورية بتقوية البث التلفزيوني لكافة قنوات التلفزة، وإحلال ثقافة التمييع ومسخ الهوية مع السعي لإقرار خطة طويلة الأمد لخلق جيل جديد يسعى إلى التعايش والمصالحة مع المركز.