فهرس الكتاب

الصفحة 10842 من 27345

وفي هذا الصدد يثير الانتباه توجه بعض المتابعين للشأن الروسي (صحيفة الأهرام، 19/7/2003) إلى التعويل على إمكان قيام حوار حضاري روسي-شيشاني في المستقبل، ويضربون لذلك أمثلة عدة منها الحوار الفرنسي- الروسي، والروسي- الألماني، رغم ما وقع بين هذه الدول من حروب ومآس سقط إثرها ملايين القتلى، وحرقت معها مدن بأكملها. وفى رأينا أن المقارنة لا تستقيم في الحالة الشيشانية، فالعلاقة بين فرنسا وألمانيا وروسيا علاقات ندية بين دول استعمارية مثلت دول المركز، بينما الحالة في تعامل روسيا مع الشيشان (المركز تجاه الأطراف) لا تتم عبر أي أسس من الندية بل تمثل ثنائية السحق-المعاناة معلمه البارز.

4-وسيظل الصمت الدولي هو استجابة العالم تجاه المأساة، ولن يمنع هذا من أن يخرج تقرير كل فترة لمنظمة من منظمات حقوق الإنسان عن انتهاكات القوات الحكومية. أما الجيران الأقرب للمنطقة (تركيا وإيران) فتعنيهم بالدرجة الأولى اعتبارات اقتصادية، وبالنسبة للجيران البعيدين الممثلين في دول العالم العربي فلدى هذه الدول ما يكفيها من مشكلات وربما لا يزيد الأمر عما هو حادث الآن من كتابة مقال هنا أو هناك والتبرع (الشعبي) لهيئات الإغاثة الإنسانية.

وسيستمر الرفض الرسمي لظاهرة"مجاهدي الشيشان العرب"، ولن يكون مصيرهم عند العودة أفضل من مصير"مجاهدي أفغانستان".

وستظل القناعة غير المعلنة بين الغرب وروسيا مفادها أن الأخيرة أكبر من أن تواجه بعمل عسكري من قبل القوات الأورو-أمريكية، لأنها أولًا تحارب داخل أراضيها، ولأنها تحارب"إرهابيين"شأنها في ذلك شأن دول"العالم الحر"الساعية لحماية الأمن والديموقراطية.

ومن زاوية أخرى، فيبدو أن الغرب يروقه انشغال روسيا بأزمة داخلية (إضافة إلى معضلة بناء دولة قوية خالية من الفساد) ؛ وهو ما يصرفها -ولو إلى حين- عن المطالبة بدور محوري في القارة الأوربية، ناهيك عن رضا الولايات المتحدة بهذا الانشغال عن المطالبة بإعادة تشكيل النظام العالمي أحادي القطب.

وفي النهاية سيظل الشعب الشيشاني هو الذي يدفع أفدح الأثمان في صراع موسكو-المقاومة، بين تشريد وقتل واغتصاب. وسيظل يبحث عن إجابة لتلك الأسئلة الجدلية على شاكلة: هل يستحق دخول دولة جديدة في الأمم المتحدة بعلم ونشيد وممثلين دبلوماسيين كل تلك الأنهار التي أريقت من دماء، والتي ستراق في المستقبل؟ هل يستحق حلم تحقيق هذه الدولة محاربة دولة متغطرسة مفتونة بالتوسع والإمبراطورية؟ وهل ستنجو الشيشان المستقلة من الحرب الأهلية، والتناحر السياسي ومؤامرات روسيا؟ وهل ستملك الشيشان المستقلة مقومات دولة ينعم فيها الشعب بأبسط حقوق الحياة؟

المهم في الأمر أن الشعب الشيشاني يفاضل بين خيارات تقطر مرارة بين التبعية لموسكو -التي لن تلتفت للنهوض بجمهورية نائية كالشيشان ولن تعطيها حقوقها الثقافية والدينية- وبين مناصرة المقاومة التي تضيف بكل عملية من عملياتها متاعب جديدة للشيشانيين في كل مكان.

ولعل المؤسف أن الشعب الشيشاني لا يملك تحديد أقل الخيارات مرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت