فهرس الكتاب

الصفحة 11019 من 27345

وأما جعفرُ بنُ محمد الصادق رحمة اللهُ عليه فمما جاء في كرمهِ وبذلهِ ما رواه تلميذهُ هياجُ بنُ بسطام التميمي قال: كان جعفرُ بنُ محمدٍ يُطعِمُ حتى لا يبقى لعيالهِ شيءٌ .

وهذا عطاءُ من لا يخشى الفقرَ .

وروي أنهُ لما سئل عن علةِ تحريمِ الربا فقال: لئلا يتمانع الناسُ المعروفَ ، وهذا يدلُ على أريحيةِ نفسٍ وسخائها.

وذكروا عنه أنه كان يمنعُ الخصومةَ بين الناسِ ، بتحملهِ الخسائر على نفسهِ وإيثارِ الصلح بينهم .

كما ذكروا عنه أنهُ شابه جدهُ علي بن الحسين زين العابدين رضي اللهُ عنه في الإنفاقِ سرًا ، وذلك أنهُ إذا كان الغلسُ في الليلِ حمل جرابًا فيه خبزٌ ولحمٌ ودراهمٌ على عاتقهِ ، ثم وزعهُ على ذوي الحاجاتِ من فقراءِ المدينة ، دون أن يعلموا به ، حتى مات ، وظهرت الحاجةُ فيمن كان يعطيهم بعد موتهِ .

فرحمةُ اللهِ عليه وإني لأرجو أن يكونَ فيمن يقولُ اللهُ فيهم:"وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [ الحشر: 9 ] .

حكمته وسعة فهمه:

أكثر مترجموا الإمامِ جعفر الصادق من نقلِ حِكمِهِ ، وأجوبتهِ المسكتةِ للأسئلةِ المشكلةِ ، تلك الأجوبةُ التي تبينُ عن سعةِ علمهِ وبعد فهمهِ ، وما حباهُ اللهُ به من سرعةِ البديهةِ ، واللسانِ المفصحِ عن جوامعِ المعاني ، وفقههِ لمقاصدِ التشريعِ وأسرارهِ ، وهو فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ .

فقد سألهُ تلميذهُ سفيانُ الثوري بمكةَ في موسمِ الحجِ ، فقال: قَدِمْتُ مَكَّةَ ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ قَدْ أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُوْلِ اللهِ ! لِمَ جُعِلَ المَوْقِفُ مِنْ وَرَاءِ الحَرَمِ ، وَلَمْ يُصَيَّرْ فِي المَشْعَرِ الحَرَامِ ؟ فَقَالَ: الكَعْبَةُ بَيْتُ اللهِ ، وَالحَرَمُ حِجَابُه ، وَالمَوْقِفُ بَابُه ، فَلَمَّا قَصَدَه الوَافِدُوْنَ ، أَوْقَفَهَم بِالبَابِ يَتَضَرَّعُوْنَ ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُم فِي الدُّخُولِ ، أَدْنَاهُم مِنَ البَابِ الثَّانِي وَهُوَ المُزْدَلِفَةُ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى كَثْرَةِ تَضَرُّعِهِم ، وَطُولِ اجْتِهَادِهِم ، رَحِمَهُم ، أَمَرَهُم بِتَقْرِيْبِ قُربَانِهم ، فَلَمَّا قَرَّبُوا قُربَانَهم ، وَقَضَوْا تَفَثَهُم ، وَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوْبِ الَّتِي كَانَتْ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُم ، أَمَرَهُم بِزِيَارَةِ بَيْتِه عَلَى طَهَارَةٍ . قَالَ: فَلِمَ كُرِهَ الصَّومُ أَيَّامَ التَّشرِيْقِ ؟ قَالَ: لأَنَّهم فِي ضِيَافَةِ اللهِ ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الضَّيفِ أَنْ يَصُوْمَ عِنْدَ مَنْ أَضَافَه .

وروى أبو نعيم في الحليةِ بسندهِ إلى أحمدَ بنِ عمرو بنِ المقدم الرازي قال: وقع الذبابُ على المنصور - أبي جعفر الخليفةِ العباسي - فذبهُ عنهُ ، فعاد فذبهُ حتى أضجرهُ فدخل جعفرُ بنُ محمدٍ عليه ، فقال المنصورُ: يا أبا عبدِ اللهِ لِمَ خَلَقَ اللهُ الذُّبَابَ ؟ قَالَ: لِيُذِلَّ بِهِ الجَبَابِرَةَ .

وقال جعفرُ الصادق لتلميذهِ سفيانَ الثوري: لاَ يَتِمُّ المَعْرُوْفُ إِلاَّ بِثَلاَثَةٍ: بِتَعجِيْلِه ، وَتَصْغِيْرِه ، وَسَترِه .

وروى تلميذهُ عَائِذُ بنُ حَبِيْبٍ - وهو صدوقٌ رمي بالتشيعِ - أن جعفرَ الصادق قال: لاَ زَادَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقوَى ، وَلاَ شَيْءَ أَحْسَنُ مِنَ الصَّمتِ ، وَلاَ عَدوَّ أَضرُّ مِنَ الجَهْلِ ، وَلاَ دَاءَ أَدْوَأُ مِنَ الكَذِبِ .

وقال مرةً يوصي ابنهُ موسى ( الكاظم ) : يَا بُنَيَّ ! مَنْ قَنعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ ، اسْتَغْنَى ، وَمَنْ مَدَّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِه ، مَاتَ فَقِيْرًا ، وَمَنْ لَمْ يَرضَ بِمَا قُسِمَ لَهُ ، اتَّهمَ اللهَ فِي قَضَائِهِ ، وَمَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ غَيْرِه ، اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ نَفْسِه ، وَمَنْ كَشَفَ حِجَابَ غَيْرِه ، انكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ البَغْيِ، قُتِلَ بِهِ ، وَمَنِ احْتَفَرَ بِئْرًا لأَخِيْهِ ، أَوقَعَهُ اللهُ فِيْهِ ، وَمَنْ دَاخَلَ السُّفَهَاءَ ، حُقِّرَ ، وَمَنْ خَالطَ العُلَمَاءَ، وُقِّرَ ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ ، اتُّهِمَ .

يَا بُنَيَّ ! إِيَّاكَ أَنْ تُزرِيَ بِالرِّجَالِ ، فَيُزْرَى بِكَ ، وَإِيَّاكَ وَالدُّخُوْلَ فِيْمَا لاَ يَعْنِيكَ ، فَتَذِلَّ لِذَلِكَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت