لنقف بعض الوقت عند كتاب"العلم في منظوره الجديد"لـ (روبرت أغروس) و (جورج ستانسيو) والذي نُشر في العدد (134) من سلسلة عالم المعرفة في شباط 1989 م. مترجم الكتاب الدكتور كمال خلايلي يلخص فصوله الخصبة بالحديث عن الظروف التي نشأت في ظلها النظرة العلمية القديمة التي تطورت في العصور اللاحقة إلى مذهب مادي صارم يؤمن بأزلية المادة، ويرفض من ثم كل ما هو غيبي، ولا يعترف في تفسيره لمختلف الظواهر إلاّ بنوعين هما العلل، وهما الضرورة والصدفة.
إزاء هذه النظرة المادية برزت إلى الوجود في مطلع القرن العشرين نظرة علمية
منافسة، كان من ألمع روّادها آباء الفيزياء الحديثة كـ (آينشتاين) و (هاينزنبرغ) و (بور) وكثيرين غيرهم ممن استحدثوا مفاهيم جديدة كل الجدة أطاحت بالمفاهيم والنظريات الفيزيائية السابقة التي كانت رائجة منذ عصر أرسطو وحتى أواخر القرن التاسع عشر. فقد أثبت آينشتاين مثلًا نسبية الزمان والمكان، بل الحركة. وبيّن الفيزيائي الدانماركي (نيلز بور) أن الذرة ليست أصغر جسيم يمكن تصوّره، كما كان نيوتن يظن، بل إنها هي الأخرى مكونة من نواة يحيط بها عدد لا حصر له من الإلكترونيات. وأجمعت آراء كبار علماء الفيزياء النووية والكوزمولوجيا على أن الكون بما يحويه من ملايين المجرات ومليارات النجوم والكواكب قد بدأ في لحظة محددة من الزمن يرجع تاريخها إلى ما بين (10 و 20) مليار سنة، فثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن المادة ليست أزلية وأن للنجوم آجالًا محددة تولد وتموت كالآدميين، وأن الكون المادي نفسه في تطور وتمدّد مستمرين، بل إن من بين الفيزيائيين الفلكيين المعاصرين من قادته نتائج أبحاثه إلى القول: إن الكون كان مهيأً منذ الانفجار العظيم لتطور مخلوقات عاقلة فيه، وأن الإنسان في مركز الغاية من إبداعه، فرأوا في ذلك كله، وفي الجمال المنتشر في الطبيعة على جميع المستويات، هدفًا وخطة مرسومة، فآمنوا بعقل أزلي الوجود، منتصب وراء هذا الكون، واسع الأرجاء، يديره ويرعى شؤونه.
ثم أعقب هذا الجيل من الفيزيائيين والفلكيين جيل آخر من العلماء المتخصصين في مبحث الأعصاب وجراحة الدماغ، من أمثال (شرنغتون) و (أكلس) و (سبري) و (بنفيلد) وقفوا حياتهم كلها على دراسة جسم الإنسان، فانتهت بهم أبحاثهم إلى الإقرار بأن الإنسان مكون من عنصرين جوهريين: جسد فانٍ وروح لا يعتريها الفناء، وبأن الإدراك الحسّي -وإن كان يتوقف على عمليات فيزيائية وكيميائية- ليس شيئًا ماديًا بحدّ ذاته، وخلصوا كذلك إلى ما يفيد بأن العقل والدماغ شيئان مختلفان تمام الاختلاف، وأن الإرادة والأفكار ليستا من صنع المادة، ولا من إفرازاتها، بل هي على العكس من ذلك تؤثر تأثيرًا مباشرًا في العمليات الفسيولوجية ذاتها.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية شعر كثيرون من علماء النفس أن إخضاع العقل للغريزة في طريقة التحليل النفسي وإلغاءه في المذهب السلوكي قد أفضيا إلى تجريد الإنسان من إنسانيته، فظهرت في الخمسينيات من القرن الماضي قوة ثالثة عُرفت فيما بعد باسم"علم النفس الإنساني". ومن أبرز رواد هذه المدرسة (فرانكل) و (ماسلو) و (ماي) الذين يعترفون بأولية العقل وبعدم قابلية حصره في الخواص الكيميائية والفيزيائية للمادة، وبكون الإنسان قوة واعية تملك حرية التصرّف والاختيار، ويرفضون من ثم تفسير السلوك البشري كله بلغة الدوافع والغرائز والضرورات البيولوجيّة وردود الفعل الآلية، ويؤمنون عوضًا عن ذلك بما يسمى القيم الأخلاقية والجمالية والجوانب الروحية والنفسية والفكرية.
لا بأس ـ أخيرًا ـ أن نقرأ معًا بعض مقاطع الفصل الرابع من الكتاب المذكور، والذي يحمل عنوان"الله":"يبدو أن المادة ليست أزلية بالرغم من كل شيء. وكما يعلن عالم الفيزياء الفلكية (جوزف سلك) "فإن بداية الزمن أمر لا مناص منه". كما يخلص الفلكي (روبرت جاسترو) إلى أن"سلسلة الحوادث التي أدت إلى ظهور الإنسان بدأت فجأة وبعنف في لحظة محددة من الزمن، وفي ومضة ضوء وطاقة"."
"فهل من إله في كون كهذا ؟ الفيزيائي (إدموند ويتكر) يعتقد ذلك فهو يقول:"ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم، وأنه حدث بينهما تفاعل فجائي. فما الذي يميّز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟ والأبسط أن نفترض خلقًا من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم". وينتهي الفيزيائي (إدوارد ميلن) بعد تفكره في الكون المتمدد، إلى هذه النتيجة"أما العلّة الأولى للكون في سياق التمدّد فأمر إضافتها متروك للقارئ. ولكن الصورة التي لدينا لا تكتمل من غير الله"."