فهرس الكتاب

الصفحة 11259 من 27345

جـ - في بعض الأحيان تأتي مشروعية النقد من الأخطاء التي تقع أثناء التطبيق أو بسبب مغايرة ظروف الاستمرار لظروف النشأة. وإذا تأملت في أوضاع الأمة وجدت أن كثيرًا مما يحتاج إلى إصلاح وتصحيح يعود إلى هذين السببين، فالتقصير في الواجبات والوقوع في المنكرات من أكثر العوامل تأثيرًا في تخلف الأمة وتأزم أوضاعها. وهما يعودان إلى انحراف وقصور في الممارسة. كما أن تجدد معطيات الحياة المعاصرة لتكون شديدة البعد عن حياة أسلافنا ، أوقعنا في أزمات فكرية كثيرة ، بسبب عدم توفر ما يكفي من الاجتهاد للتعامل معها. وهذا من جهته يثير الكثير من الحيرة والكثير من النقد.

ماذا يحدث حين يتوقف التفاعل بين النقد والبناء ؟ ومتى يكون النقد مفيدًا وبنّاءً ؟

هذا ما سنتحدث عنه في المقال القادم بحول الله وطوله.

النقد البناء(2/2)

د. عبد الكريم بكار 6/7/1426

ذكرت في المقال السابق أن بين العمل والنقد وبين الإنجاز والتطوير علاقة جدليّة، وشرحت ما أعنيه بالعلاقة الجدليّة، ووعدت باستكمال الموضوع في هذا المقال.

إن النظر إلى ما أقمناه وأنجزناه من مناهج ومؤسسات على أنه شيء غير مكتمل يشكل المحرّض لنا على نقده وتطويره، لكن يبدو أن الإنسان لا يملك من اليقظة النقدية ما يجعله يتعامل مع إنجازاته ومنتجاته دائمًا على هذا النحو. إننا كثيرًا ما ننظر إلى نقد شيء يتصل بنا على أنه نقد لذواتنا، بل ننظر إليه -أحيانًا- على أنه يمس الكرامة الشخصية للواحد منا. أحيانًا لا نقبل بالنقد؛ لأنه سيجعلنا نخسر بعض المكاسب التي حصلنا عليها من وراء أوضاع مغشوشة، وأحيانًا نرفض النقد؛ لأننا لا نثق بالذي ينقد، أو لا نرتاح إليه. وأحيانًا نرفض النقد؛ لأن قبوله سيعني التغيير والتطوير، وهذا لا يتم من غير بذل جهد، ونحن غير مستعدين للقيام بأي شيء إضافي.

بعض الناس يرفض النقد؛ لأن لديه نوعًا من الإعجاب بالذات والاستبداد بالرأي، وهذا يجعله يستخفّ بما يسمعه من الآخرين...

مهما يكن السبب الدافع إلى مقاومة النقد فإن النتائج ستكون وخيمة.

إن أي عمل حتى يُؤدّى بطريقة صحيحة يحتاج إلى معرفة تامة بالبيئة المحيطة والعوامل الجغرافية والاجتماعية المؤثرة. وإن هذه المعرفة نحصل عليها في العادة على سبيل التدرج. ومن ثم فإن الثقة المبالغ فيها في منجزاتنا تقوم على عدم الاكتراث بخطورة ما نجهل. وعلى مدار التاريخ كان الناس يدركون قيمة ما يعرفون أكثر من إدراكهم للأضرار البالغة التي تترتب على ما لا يعرفون. ورفض النقد هو رفض للمعرفة الجديدة.

إن قبولنا لمقترحات الآخرين والسماح لهم ببيان وجوه القصور لدينا، يجعلنا نظهر بمظهر الضعيف أو غير الناضج. أما الاستبداد بالرأي والتمسك بالسائد إلى آخر لحظة فإنه يجعلنا نبدو أقوياء صامدين كأشجار السنديان التي قاومت العواصف مئات السنين. والحقيقة أن قبول النقد يمنحنا القوة؛ لأنه يساعدنا على عمل شيء قبل حدوث الانهيار. إنه يفتح سبيلًا للكف عن السير في نفق مظلم، في آخره مهلكة.

إن سقوط الاتحاد السوفيتي بتلك الصورة المريعة والمهينة ومن غير سابق إنذار، يقدم حكمة بليغة للمستبدين بآرائهم الرافضين للإصلاح والتجديد، والمستخفين بنصائح أهل البصيرة الثاقبة. تقول تلك الحكمة: إن كل الأشجار تموت واقفة شامخة؛ لأن موتها لا يكون في سقوطها على الأرض، ولكن في انقطاع مادة الحياة عنها، وفي عجزها عن التكيّف مع الظروف المحيطة بها، وإن رفض النقد هو رفض للتكيّف، ورفض للاستدراك على الخطأ والتقصير، وهذا ما يجعل السير في طريق الاضمحلال أمرًا لا بد منه!

الوجه الثاني للمشكلة يكمن في ممارسة النقد بعيدًا عن العمل، وهذا ما يحسنه كثيرون منا، إن حاجة النقد إلى البناء، لا تقل عن حاجة البناء إلى النقد، ولِمَ لا والعلاقة بينهما جدليّة. الذي يعمل يقدم الفرصة للناقد كي يقول شيئًا، والناقد يقدم فرصة للعامل كي يحسّن عمله، ويرتقي بإنتاجه.

في حالة التخلف يرفض كثير من الذين يعملون النقد، ويتكلم كثير من القاعدين بما لا يحسنون، في كل مجلس اعتراضات وانتقادات لا تكاد تُحصى، ومرور واسع على العالم من شرقه إلى غربه، ومن غربه إلى شرقه، وتشريح لأوضاعه وذكر لمساوئه وأزماته.. وينفضّ السامر ويذهب كل إلى بيته، وقد شعر كل واحد منا أنه استطاع أن يثبت سعة اطلاعه ومعرفته بالحلول للمشكلات التي تعاني منها البشرية! وتمضي السنوات وتنصرم الأعمار، وتأتي أجيال جديدة والنقد ما زال مستمرًا والأوضاع على حالها بل تزداد في بعض الأحيان سوءًا أو فسادًا، وليس هناك من هو مستعد للتوقف من أجل رؤية ما حصلنا عليه من وراء تصويب البنادق إلى أعلى في امتدادات الفضاء!

إذا أردنا للنقد أن يثمر، وألاّ يكون شكلًا من التنفيس عن مكروب فحسب فعلينا أن نراعي الاعتبارات التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت