فهرس الكتاب

الصفحة 11953 من 27345

محمد صلوات الله عليه حين دهش لهذا الكلام الذي قاله ورقة، فتش في أطواء نفسه.. ما يدعو إليه الناس صحيح، ما جاء من عند الله ليس من عند نفسه؛ وإنما هو من فاطر الأكوان. هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا.. فتش في أطواء نفسه: هل له في هذا الذي يدعو إليه طمع ومنفعة؟ غرض شخصي؟ غاية ذاتية، شفاء غل وحقد، طلب منصب ووجاهة، جمع مال وحطام. لاشك أن كل هذه النوازع البشرية والأحاسيس الذاتية غريبة عن تصور محمد صلى الله عليه وسلم، وعن فكره. وإذا كان الأمر كذلك أمر قضية موحىً بها من السماء لا شيء فيها من عند الإنسان الداعي وهي أيضًا أمر قضية لا يرجو صاحبها من ورائها جاهًا ولا مغنمًا ولا أجرًا، (إنْ أجريَ إلا على الله) ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم، إذا كان الأمر كذلك فلمَ يقف الناس في وجه هذا الشيء؟ الداعي في ذاته ما يدعو إلى التنفير وبالتالي إلحاق الأذى بشخصه، ولا الدعوة فيها ما يدعو إلى الرد والطعن، فلماذا يقف الناس ضدها، ولماذا يواجهونها بالعداء؟

دهشة النبي صلى الله عليه وسلم إذًا مبعثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طينة لا أقول خاصة فهي من طينة البشر (قل إنما أنا بشر مثلكم) ، ولكنه عليه السلام كان يتمتع بالفطرة الصافية المشعة، فالله جل وعلا ليس معقولًا أن يختار لحمل رسالته وأدائها إلى الناس إنسانًا من ذوي الطبائع الملتوية أبدًا، وإنما يختار أصحاب الفطر السليمة، والطبائع المستقيمة والله جل وعلا يخبرنا عن موسى عليه السلام فيقول مخاطبًا إياه: (واصطنعتك لنفسي) ، ويقول: (ولتصنع على عيني) .

فمن رُشِّح للنبوة فهو بعين الله جل وعلا -قبل النبوة وبعد النبوة- هو مجبول على أن لا تعلق به شوائب الدنيا، وعلى أن لا تهبط به نوازع النفس الخاصة المفعمة بالشهوات، لهذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين كان على هذا الشكل كان يستغرب أن يأتيَ قومَه بدعوة الحق من عند الله، فيقابل عليها بالأذى والصد.

هذا تقرير المسألة من حيث المبدأ من غير شروح وتحليلات زائدة عن الحد، وإن كان المجال واسعًا للقول فيها إلى غير نهاية لكني أريد أن أتتبع معكم آثار هذه الفطرة لأخلص إلى نتيجة أقررها سلفًا أنه في مجال الدعوة إلى الله لا يصلح لحمل هذه الأمانة الثقيلة والرسالة العظمى إلا إنسان حصل أمرين:

أولهما: ضغط هائل على النفس يخدعها عن شهواتها وأغراضها ويلزمها بالتمسك بمنهاج الشريعة منهاج الحق.

وثانيهما: شعور صادق يستغرق النفس ويخالط اللحم والعظم والعصب بأنه يحمل إلى الناس الدواء، ومهما لقي منهم من عنت وإرهاق، ومن صد وتكذيب فلا ينبغي أن يلفته ذلك عن الغاية التي ندب لها نفسه ولا ينبغي له هو أيضًا أن يلتفت إلى صَغَار النفوس لكي يسمح لها أن تحول بينه وبين مواصلة الطريق.

نأتي إلى الأمثلة، نأتي إلى الوقائع من واقع السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم حينما بدأ عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى الله كانت المواجهة في مبدأ الأمر مواجهة الريبة والتوجس والترقب من أجل استكشاف هذا الشيء الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وحينما واجه رسولُ الله عليه الصلاة والسلام قومَه بتسفيه أحلامهم وعيبهم وعيب آبائهم وشتمهم وشتم أصنامهم، وشجب قواعد الحياة الاجتماعية التي يعيشونها، قامت ثائرتهم ورأوا أن الأمر أعظم من أن يطاق، أو أن يمكن الصبر عليه بحال، فبادروه بالعداء فماذا كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم، لو كان رجلًا من الناس كسائر الرجال لثار لكرامته. ولثأر لنفسه ولكنه عليه الصلاة والسلام كان يتحمل ما يلقى من قومه بصدر رحب، كان شأنه كشأن الطبيب الذي يسمع من المريض قَارِصَ القول ولكنه يحمل له في أعماق قلبه كل الشفقة وكل الحب وكل الرجاء في أن يُشفى من هذا الداء العضال الذي يعاني منه.

لم تتحرك نفس النبي صلى الله عليه وسلم للانتقام لنفسه قط، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط برغم كل ما رأى وبكل ما سمع، ولكنه إذا انتهكت حرمات الله كان لا يقوم لغضبه شيء؛ بهذه النفس الطيبة والفطرة الخيّرة كان يقابل مساءات قومه كان يعفو ويصفح ويغفر، يدعوهم إلى الله فيشتمونه ويضربونه ويتربصون به حتى يسجد لله جل وعلا فيلقون على رأسه وعلى ظهره سلى الجذور والأوساخ والأقذار فإذا فرغ من صلاته قال:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

ذهب ذات يوم بعد أن يئس أو كاد من قومه قريش، ذهب إلى الطائف يلتمس للدعوة متنفسًا بين رجالات ثقيف، فَرُدَّ أقبح الرد فرجع، رجع مُفَوِضًا إلى الله أمره يقول:

"إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي".

وحين كان في الطريق جاءه ملك الجبال فقال: يا محمد، إن ربك أرسلني إليك يقول لك: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. والأخشبان جبلا مكة.

قال: لا إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت