فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لو فرضنا أن هذا الجيل لا فائدة منه، فالرجاء معقود بالأجيال القادمة ولهذا فنبي الله عليه السلام لم تنازعه نفسه بدعوة كدعوة نوح التي قال فيها:
(ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفّارًا) .
وإنما دائمًا وأبدًا:
اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
أيضًا أُخْرِج من بلده، بلد الصبا والطفولة والشباب، أرْضِ الذكريات الحلوة والتصورات العذبة، أرض الآباء والأجداد والاخوة والأخوات والأعمام والعمات، أخرج كرهًا وذهب وكانت له مع قريش صدامات وكانت موقعة أُحد بلاءً ابتلى الله المسلمين به وتمحيصًا محّص الله بواسطته قلوب المؤمنين وانجلت المعركة عن خسارة فادحة في صف المؤمنين.
سبعون من خيار المسلمين ضمن شهداء بواكير الدعوة ممن عاشوا أيام العذاب والبلاء والآلام مع محمد صلى الله عليه وسلم.
سبعون لو وزنوا بأهل الأرض لوزنوهم جميعًا.
سبعون لو قلنا إنهم وزنوا بمن يدرج على الأرض إلى يوم القيامة لرجحوهم.
سبعون يجندلون على الأرض قتلى في سبيل الله بينهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم ممثلًا به مجدوع الأذنين، مجدوع الأنف، مشقوق البطن، مستخرج الكبد، حالته لا يطاق النظر إليها، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم، أي بشر لا يهتز لهذا المنظر الشنيع الذي يدل على فساد في الفطر والطبائع تمتعت به قريش وجنت ثماره حصادًا مرًا وعاقبة وخيمة وأليمة، تغيّظ النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
"ما وقفت موقفًا أغيظ عليّ من هذا الموقف والله لأن أمكنني الله من قريش يومًا من الدهر لأمثلنّ بهم مِثْلَة ما سمعت العرب بمثلها قط".
ذلك الموقف الرهيب موقف الخسارة الفادحة، الموقف الذي يحتاج إلى العزاء، ويحتاج إلى مداراة النفوس. أترون النبي صلى الله عليه وسلم تُرِكَ لينساق وراء هذه العاطفة الجارفة التي تجر إلى انحراف في الدعوة. لا.. في ذلك الموقف تنزل قول الله جل وعلا.
(ليس لك من الأمر شيء) .
أي ما عليك إلا البلاغ، وأما ما يحدث فبعين الله وبعلم الله تبارك وتعالى ولغاية وحكمة يريدها الرب جل وعلا:
(ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) .
وأنتم يا إخوة تلاحظون جفاف اللهجة التي خُوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في بدر حينما اختلف المسلمون في الغنائم عاتبهم الله جل وعلا عتابًا رقيقًا في مواقع أخرى قال الله لنبيه:
(عفا الله عنك لمَ أذنت لهم) .
في هذا الموقف لا مجال للمهادنة ولا مجال للإغضاء عن أي انحراف لأن طريق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى لا يتحمل أي انسياق وراء النازع البشري، وإنما هو ارتباط مطلق بحقائق الشريعة، وبأخلاقيات الدعوة وقوانينها الثابتة في الحركة ولهذا خاطبه الله تعالى بجفاف:
(ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) .
ومضت الأحداث، ليتجهز النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة وبدأت ثمار هذه الأخلاق العالية تؤتي أكلها في نفوس المشركين من قريش العقلاء، وأقبل في الطريق عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد رضي الله عنهما حتى دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم مسجده في المدينة المنورة، ماذا يكون الموقف؟ تصوروا لو أن إنسانًا فعل الأفاعيل وارتكب المآسي ثم جاء مقبلًا واضعًا يده بين يدي دولة من الدول في هذه الأيام ماذا يكون الصنيع؛ ألقوا به في السجن؛ دعوه سنة وسنتين حتى نرى وحتى ننظر، لكن مسلك النبوة غير مسلك الناس استقبلهما النبي صلى الله عليه وسلم باسمًا ضاحكًا مرحبًا ماذا قال لخالد بطل مأساة أحد الرجل الذي قتل الرماة في أُحد وكسر المسلمين شر كسرة وجندلهم قتلى على الأرض ماذا قال لخالد؟
هل فكر في الانتقام منه؟ لا وإنما التفت إليه وقال يا خالد:
"لقد ظننت أن لك عقلًا سيجيء بك إلى الإسلام".
قال خالد رضي الله عنه: فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا من الناس منذ أسلمت. في أمرٍ حَزَبَه قط؛ لمجرد أن جاء مسلمًا مذعنًا منحه النبي عليه السلام كل ثقته ولمجرد أن جاء ولاه جانبًا من الجيش الذي قاده لفتح مكة، بالأمس أسلم من يثق بإنسان جاءه فقط بالأمس وهو -قبل ذلك- خَصمٌ لدودٌ وعدوٌ شديد العداوة مستحكم العداوة من يثق بإنسان من هذا النوع إلا النبي الذي يعامل الناس بمقتضى قوانين الإله لا بمقتضى نوازع النفوس، وكذلك فعل مع عمرو بن العاص سفير قريش الذي ذهب إلى الحبشة لكي يعيد المسلمين من هناك حتى يضعهم فرائس هينة بين يدي الطغاة من قريش أيضًا.