كما أن بعضهم نعتوه بالصفات والمناقب ما عدوا به رتبته وتجاوزوا معه درجته، ومن ذلك قول الحصكفي:"أن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه، ما قال قولًا إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، قد جعل اللهُ الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام إلى أن يحكم بمذهبه عيسى - عليه السلام -" [10] وهذا القول تَقَوُّلٌ وغلو ظاهر وتنقص لنبي الله عيسى - عليه السلام - إذ كيف يظن بنبي أن يتبع عالمًا مجتهدًا؟! وقد رد ذلك قول ابن عابدين في حاشيته ونقل قول السيوطي في رد ذلك وفيه:"... ما يقال إنه يحكم أي عيسى - عليه السلام - بمذهب من المذاهب الأربعة باطل لا أصل له. وكيف يظن بنبي أنه يقلد مجتهدًا مع أن المجتهد من آحاد هذه الأمة لا يجوز له التقليد، إنما يحكم بالاجتهاد..." [11] كما زعم الحصكفي أن سهل بن عبد الله التستري قال:"لو كان في أمتي موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهودوا ولما تنصروا." [12] ولهذا القول رد، فقد كانت في الحنفية أبو حنيفة نفسه، ومع ذلك فإن من الحنفية من أعتزل وتشيع وتجهم وانحرفوا عن الإسلام، فلو تهودوا أو تنصروا لكان خيرًا لهم من أن يتجهموا أو يعتزلوا أو يتشيّعوا. والأحرى أن هذا كذب على سهل، وهو قول باطل في نفسه فقد عبد بنو إسرائيل عجلًا وهارون نبي الله بينهم، وكذلك كفر من كفر منهم وعيسى - عليه السلام - بين أظهرهم كما قال - تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ} [آل عمران: 52] ومن ذلك قول الحصكفي:"وعنه - عليه السلام: إن سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني" [13] وهذا لا شك كذب محض لا يجوز ذكره فضلًا عن اعتقاده.
مكانة أبو حنيفة العلمية:
فإنه ليس بالغريب أن يفترى على الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - الكذب وذلك لمكانة علمية رفيعة، فقد أخذ من العلوم الشرعية نصيبًا وافرًا فنبغ في العلوم الشرعية، ولقد كانت له قدرة على الإفتاء والتدريس وحل المشكلات الدقيقة التي تعرض عليه. وكان له مع ذلك معرفة في علم الكلام والجدل؛ إذ كانت معرفته تلك مرتبطة بنشأته بالكوفة؛ حيث كانت موطنًا لأهل الأهواء والملل والنِّحل المختلفة، والفرق المتباينة، وإذا كان المجتمع على هذه الشاكلة كثر فيه الجدل والمناظرات حول العقائد. لذلك أنشغل إمام السلفية أبو حنيفة - رحمه الله - في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام حتى برع فيه ونبغ، وبلغ فيه مبلغًا يشار إليه بالبيان، وكان به يجادل وعنه يناضل، وكان يرتحل إلى البصرة لمناقشة أصحاب الخصومات، وهذا ما يدله قوله:"كنت رجلًا أعطيت جدلًا في الكلام، فمضى دهر فيه أتردد، وبه أخاصم وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرهم بالبصرة، فدخلت البصرة نيفًا وعشرين مرة..." [14] وقال قبيصة بن عقبة:"كان الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - في أول أمره يجادل أهل الأهواء، حتى صار رأسًا في ذلك منظورًا إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنَّة وصار إمامًا" [15] وهناك ممن ينتسب إلى الحنفية كالماتريدية يقول بأن إمام السلفية أبو حنيفة لم يترك الكلام تركًا كليًا بعد أن فضح المتكلمين وأظهر عوراتهم، وهذا الكلام فيه تخليط لأن الإمام أبا حنيفة ترك علم الكلام تركًا كليًا وصرح بذلك مبينًا سبب الترك، حيث قال:"رأيت المشتغلين بالكلام قاسية قلوبهم، غليظة أفئدتهم، لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولو كان خيرًا لاشتغل به السلف الصالحون." [16] وهذا القول يرد زعم من زعِم إن الماتريدية ليست إلا استمرارًا لمدرسة الإمام الأعظم، من غير أن يكون بينهما إلا فرق بسيط، ولا يعتد به. [17] فكيف يقال إن الماتريدية ليس إلا استمرارًا لمدرسة الإمام أبي حنيفة والماتريدية خالفت أبا حنيفة في نفي كثير من الصفات الإلهية، والقول بكلام النفسي، وفي مسمى الإيمان، وفي مصادر الاستدلال في الاعتقاد؟!