فهرس الكتاب

الصفحة 12030 من 27345

لم ينبغ الإمام في الكلام والجدال فحسب، فحين أراد الله بالإمام خيرًا ترك علم الكلام والجدال، حتى أصبح إمام الفقه في عصره، ساعده على ذلك ما فطره الله عليه من الذكاء والفطنة والسجايا الحسنة كالصبر والحلم، وهذه الأمور كلها ساعدت على نبوغه؛ ففاق أقرانه والكثير من أهل عصره في هذا العلم، فكان الناس عيالًا عليه، كما قال الإمام الشافعي:"من أراد أن يعرف الفقه؛ فليلزم أبا حنيفة وأصحابه؛ فإن الناس كلهم عيال عليه في الفقه." [18] وقال عبد الله بن المبارك:"أبو حنيفة أفقه الناس" [19] وقال حفص بن غياث:"كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشَّعر" [20] وقد صدق حفص بن غياث، فمن المسائل الفقهية الدقيقة التي عرضت على أبي حنيفة، ما ذكره الصالحي عن وكيع قال:"كنا عند أبي حنيفة فأتته امرأة فقالت: مات أخي وخلف ستمائة دينار، فأعطوني منها دينارًا واحدًا، قال: ومن قسم فريضتكم؟ قالت: داود الطائي. قال: هو حقك أليس خلَّف أخوك بنتين؟ قالت: بلى، قال: وأُمًَّا؟ قالت: بلى، قال: وزوجة؟ قالت: بلى، قال: واثني عشر أخًا وأختًا واحدة؟ قالت: بلى، قال: فإن للبنات الثلثين أربعمائة، وللأم السدس مائة، وللمرأة الثمن خمسة وسبعين، ويبقى خمسة وعشرون؛ للإخوة أربعة وعشرون لكل أخٍ ديناران، ولكِ دينار." [21] لذلك قال الذهبي في فقه أبي حنيفة:"الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه ثم أستشهد بهذا البيت:"

وليس يصح في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهار إلى دليل [22]

سلفية أبو حنيفة:

أن من أهل البدع من انتسبوا إلى الإمام أبي حنيفة النعمان - رضي الله عنه - كالماتريدية وغيرهم، ونسبوا إليهم عقيدة التعطيل بالتأويل الباطل، وهذا فرية بلا مرية، ومن شك في ذلك، فليطالع"الفقه الأكبر"و"الفقه الأبسط"و"العقيدة الطحاوية"و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة"يظهر له أن زعمه موقع له في خسران، وإن ليس كل من انتسب إلى الإمام أبي حنيفة وبقية أئمة أهل السنة والجماعة - رضوان الله عليهم - يعدُّ موافقًا له في أصول الدين وفروعه، بل هناك من كبار المبتدعة من انتسب إلى الإمام أبي حنيفة، وأبو حنيفة بريء منهم كبراءة الذئب من دم يوسف، فبالمقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي والماتريدية يظهر إنَّهما مختلفان في المنهج متباعدان في التطبيق في كثير من مسائل الاعتقاد. فلم يكن الماتريدي والماتريدية على منهج الإمام أبي حنيفة في الاعتقاد وإن انتسبوا إليه في الفروع، وإنه ليس من منهج الإمام أبي حنيفة نوع من التشبيه أو التعطيل، وكذلك لا يوجد في كلام الإمام تفويض مطلق، بل الذي في كلام أبي حنيفة تفويضٌ مقيَّدٌ بنفي العلم بالكيفيَّة فقط لا المعنى، فقد أثبت الإمام جميع الصفات: ذاتيَّة كانت أو فعليَّةً بدون تأويلٍ، أو تحريفٍ، وظلَّ ملتزمًا بمنهجه هذا أثناء التطبيق؛ فأبى أن يُؤوِّل اليد بالقدرة أو النعمة، والرضا بالثواب، والغضب بالعقاب. فهم يُأولون صفات الله - تعالى -بلا ضابط شرعي فيُأولون الاستواء بالاستيلاء كالمعتزلة والجهمية، والحق أن يثبت صفات الله بلا كيف ولا تعطيل، وهذا هو الصراط المستقيم في باب صفات الله إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل. فعقيدة الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضوان الله عليهم - اعتقاد واحدٌ في أصول الدين. وقد جمعت نصوص الأئمة الأربعة الواضحة في بيان عقيدتهم ليعرف القارئ الكريم أنهم متفقون في باب الاعتقاد. إن عقيدة الإمام أبو حنيفة النعمان - رضي الله عنه - في توحيد الأسماء والصفات، واضحة جلية غير قابلة للتأويل، وبيان ذلك:

1)قال الإمام أبو حنيفة: لا يوصف الله - تعالى -بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولك يكن له كفوًا أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه. [23]

2)قال الإمام أبو حنيفة: وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله - تعالى -في القرآن، فما ذكره الله - تعالى -في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال… [24]

3)قال البزدوي: العلم نوعان علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول هو التمسُّك بالكتاب والسُّنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنُّة والجماعة، وهو الذي عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعامة أصحابهم. وقد صنف أبو حنيفة - رضي الله عنه - في ذلك كتاب الفقه الأكبر، وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله. [25]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت