قد يقال: المشكلة ترجع إلى اختلاط في البشر ، حيث لا يظهر فيهم مؤمن خالص ، من منافق خالص ، من كافر خالص . ويقول بعض هؤلاء: تحتاج الحركة الإسلامية إلى فصل هذه الفصائل ، وإلا وقعت الحركة في شر النتائج ، شر الفشل . حسنًا: فمتى ينفصل هؤلاء من هؤلاء ؟ هنا: لابد من عذاب ينزل للتمييز ، فالمؤمن ينجلى كما ينجلى الذهب في النار ، وغيره يتساقط كما يتساقط التراب ، أو كما يتساقط الغبار . هنا لابد من سريان قانون التمييز . { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } 179 آل عمران . { ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا فيجعله في جهنم ، أولئك هم الخاسرون . } 37 الأنفال . { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدًا، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون . } 58 الأعراف
قد يقال: التمييز موجود ، فنحن نعرف الطريق ، ونعرف من هم أربابه ، ولكنا غير قادرين . غير قادرين على فعل شئ . والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها . فعندئذ يقال: وإذا كنتم قد خرجتم من إطار المكلفين فما معنى وجودكم ؟ إنكم بذلك قدمتم شهادة الإزالة . هنا: لابد من عذاب ينزل ــ لا لمحض الابتلاء ، ولا لمحض التمييز ولكن لغرض المحق ، والإزالة كما تمت إزالة أقوام من قبل .
منطقيًا: ماذا ينتظر لقوم كلما واجههم تكليف إلهي مصمصوا شفاههم قائلين: لا حول ولا قوة إلا بالله ، نحن غير قادرين ؟؟ وهم قد أخرجوا إلى الوجود أصلًا من أجل القيام بهذه التكاليف ؟ أليس المعقول أن ينتظروا الإزالة ؟ أما حسابهم يوم القيامة فشئ آخر . أليست الإزالة هي الحل الوحيد في شأنهم ؟ ليأتي قوم غيرهم . { وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } 38 محمد
إن هؤلاء ــ نحن المجموع ــ أكثر الأجناس على وجه هذه الأرض ترشيحًا للإزالة ، لعدة أمور:
أولًا: لأننا إنما خرجنا على ظهرها وارتفع ذكرنا فيها لمهمة خاصة هي القيام برسالة الإسلام .
{ كنتم خير أمة أُخرجت للناس .. تأمرون بالمعروف وتنهوٌن عن المنكر وتؤمنون بالله } 110 آل عمران فعندما نتخلى عن هذه الرسالة ــ ونحن نكاد نفعل ــ يزول سبب وجودنا ، ونذهب شراذم بددا ، في طرائق قددا .
ثانيًا: لأننا لو بقينا وانتصرنا على أعدائنا بنصر الله لكان في ذلك نصر للزيف الذي نحن فيه ، وإعلاء لشأنه ، وهذا لا يمكن أن يدور بخاطرنا ، لأنه لا يجوز في حق كماله تعالى .
ثالثًا: لأننا بخلاف أعدائنا ، لا نحن عملنا من أجل الدنيا كما يعملون ، فننال وعد الله كما ينالون { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون } 15 هود.
ولا نحن عملنا من أجل الآخرة ، كما عمل بناة الأمة الإسلامية ، فننال وعد الله كما نالوا { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بى شيئًا . } 55النور .
إننا أولى الناس بالإزالة لولا ...
لولا أمل في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه بسنده عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله ( مثل امتى مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره ) تمثل فيما نشهده من إقبال على بيوت الله
ولولا ضمان من وعد الله لبقية تبقى أو تعود: مع الإسلام تعود ، مع الإسلام الذي سيعود غريبا كما بدأ .
ولولا ضمان في رواية لمسلم في صحيحه بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن عمير بن هانئ حدثه قال سمعت معاوية على المنبر يقول سمعت رسول الله يقول ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس )
و في رواية لمسلم بسنده عن ثوبان قال قال رسول الله r:"إني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة - أي كارثة عامة -.. وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم - أي جماعتهم - وإن ربى قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك: ألا أهلكهم بسنة عامة ، وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم ، يستبيح بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ، ويسبى بعضهم بعضًا . )"