وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان ، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه بيع مضطر وقد روى أبو داود عن علي أن النبي نهى عن المضطر ، وفي المسند عن علي قال سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك ، قال تعالى (وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) ويبايع المضطرون ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر ... ) وذكر الحديث 0
فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد لأن الموسر يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة ، وإن باعها من غيره فهي (التورق) ومقصوده في الموضعين: الثمن فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه ، ولا معنى للربا إلا هذا لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة ، ولو لم يقصده كان ربا بسهولة 0
وقال ابن مفلح في الفروع (4/126) ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما ساوى مائة بمائتين فلا بأس ، نص عليه ، هي التورق ، وعنه: يكره . وحرمه شيخنا ، نقل أبو داود إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هو أهون ؛ فإن كان يريد بيعه فهو العينة وإن باعه منه لم يجز ، وهي العينة نص عليه 0
وفيه أدلة أخرى للذين يجيزون التورق ، والذين يحرمون ذلك0
والصواب من قولي العلماء جواز التورق ، وهذا مذهب الجمهور ، فإن الأصل في البيوع والمعاملات الحل ، ولم يأت دليل يقضي بأن التورق ربا ، أو فيه شبهة ربا ، فقد بيعت السلعة على غير المشترى منه ، فانتفت شبهة الربا الموجودة في بيع العينة ، والعجيب في المسألة أن بعض الفقهاء يجيز العينة إذا لم يكن فيه تواطأ بين البائع والمشتري ويمنع التورق ، وهذا تناقض ، وتفريق بين المتماثلين ، والله أعلم 0
هذا ونحث المسلمين ، ممن آتاهم الله بسطة في المال ، وثروة في الاقتصاد ، مواساة ومساعدة إخوانهم المعسرين ، والقيام معهم في معيشتهم ، والنظر في شؤنهم ، فالمسلمون بعضهم لبعض كالعضو الواحد ، وقد جاء الإسلام بالتكافل الاجتماعي ، وجاء الركن الثالث من أركان الإسلام ، الزكاة ، ومما رغب فيه الصدقة ، ومما حث عليه إنظار المعسر والتعاون مع المعوزين ، والتوسيع على المعسرين مما يعزز عمق الأخوة الصادقة ، وينشر المودة الخالصة ، ويبث روح الرحمة بين أفراد المجتمع ، يحسن فيها القوي على الضعيف والغني على الفقير 0
إن الإسلام ضرب القدح المعلى ، وصور المثل العليا في التكافل الاجتماعي والتضامن الإسلامي ، فجاء في الإنفاق على المحتاجين ، والبذل للمعوزين ، والعطف على الفقراء والمدينين ، ورتب على ذلك تجاوز الله تعالى عن الذنوب والآثام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم ، قالوا: أعملت من الخير شيئًا ؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن المعسر ، قال: قال: فتجاوزوا عنه) متفق عليه من طريق زهير ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة رضي الله عنه 0
وإنظار المعسر ، من أسباب تنفيس كرب يوم القيامة،كما جاء في صحيح مسلم (1563) من طريق أيوب ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، أن أبا قتادة طلب غريمًا له فتوارى عنه ، ثم وجده ، فقال: إني معسر ، فقال: آلله؟ ، قال: آلله قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر ، أو يضع عنه) 0
وإنظار المعسر ، من أسباب الاستظلال بظل الله يوم لا ظل إلا ظله ، روى مسلم في صحيحه (3006) من طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة ، عن عبادة بن الوليد ابن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار ، قبل أن يهلكوا ، فكان أول من لقينا أبا اليسر ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له ، معه ضمامة من صحف ، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري ، وعلى غلامه بردة ومعافري ، فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب ، قال: أجل كان لي على فلان بن فلان الحرامي مال ، فأتيت أهله فسلمت ، فقلت ثم هو ؟ قالوا لا فخرج عليَّ ابن له جفر ، فقلت له أين أبوك ؟ قال سمع صوتك فدخل أريكة أمي ، فقلت اخرج إلي فقد علمت أين أنت ، فخرج ، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني ؟ قال أنا والله أحدثك ، ثم لا أكذبك خشيت ، والله أن أحدثك فأكذبك ، وأن أعدك فأخلفك ، وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت والله معسرًا ، قال قلت آلله ، قال الله ، قلت آلله ، قال الله ، قلت آلله ، قال الله، قال فأتى بصحيفته فمحاها بيده ، فقال إن وجدت قضاء فاقضني ، و إلا أنت في حل ، فأشهد بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين ، ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول (من أنظر معسرًا ، أو وضع عنه ، أظله الله في ظله) 0