سابعًا: إن من أسباب حلول سخط الله، ونزول عقابه،المعاصي والذنوب، والبعد عن شرع الله، وانتهاك الحرمات، وارتكاب الموبقات فما نزل بلاء إلاّ بذنب، وما رفع إلاّ بتوبة، والمجتمع الذي يرى المعصية فلا ينكرها، والذنب فلا يستقبحه، حري بأن يصاب بالبلاء والمحن والفتن، كما حل ببلاد كثيرة من بلاد المسلمين لما صدوا عن سبيل الله، وأعرضوا عن ذكره، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102) ، (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام:47) ، (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: من الآية59) .
والسلامة من المعاصي والذنوب، والأخذ على أيدي السفهاء، والقيام بواجب الإصلاح منقذ من عذاب الله، وأليم عقابه قال سبحانه: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:117) .
وصلاح بعض الأفراد دون القيام بواجب الإصلاح لايمنع من عقاب الله، كما في الحديث الصحيح: (أنهلك وفينا الصالحون، قال صلى الله عليه وسلم:"نعم ، إذا كثر الخبث".
وهذا الأمر الذي غفل عنه كثير من الناس -حتى بعض الصالحين- من أعظم أسباب ماحدث وكان، ونسأل الله ألاّيؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
ثامنًا: الأمن مطلب شرعي، ومنّة إلهية، ونفحة ربَّانية، امتن الله به على عباده في مواضع كثيرة من كتابه كما قال سبحانه (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش:3، 4) ، والمحافظة على الأمن مسؤولية الجميع حكامًا ومحكومين، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، والأمن ليس هو أمن الأجسام فحسب، بل هو أمن العقول والأبدان، وسدّ منافذ الشرّ، وأعظم سبب لحفظ الأمن هو الإيمان بالله، وتطبيق شرعه، والاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله، والبعد عن الظلم العام والخاص، وعمدة ذلك هو التوحيد وخلوصه، وتنقية المجتمع مما يضاده، (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82) .
والمحافظة على الأمن عبادة نتقرب بها إلى الله، كيف والضرورات الخمس كلها، تدل عليه وتقتضيه.
في ظل الأمن تعمر المساجد وتقام الصلوات، وتحفظ الأعراض والأموال، وتأمن السبل، وينشر الخير، ويعم الرخاء، وتقام الحدود، وتنشر الدعوة، وتطبق شريعة الله، وإذا اختل الأمن كانت الفوضى، وحكم اللصوص وقطاع الطرق، قال حذيفة رضي الله عنه:"فابتلينا حتى جعل الرجل منا لايصلي إلا سرًا"رواه مسلم ويقول سبحانه: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: من الآية40) .
فلنكن كلنا جنودًا في حفظ الأمن، أمن العقول والقلوب، وأمن الأجساد والأعراض، ولتحقيق ذلك لابد أن نبدأ في تطبيق شرع الله في أنفسنا وفي بيوتنا ومجتمعنا. وإلاّ فلنحذر من ذلك المثل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112) .
والأمن كلي لايتجزأ، فمن أخذ ببعضه وترك بعضًا فعاقبته إلى خسار وبوار (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: من الآية18) .
تاسعًا: وفي هذه المرحلة العصيبة يتأكد الأخذ بمنهج الوسطية، وتربية الأمة عليه، فهو المنهج الذي اختاره الله للأمة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: من الآية143) وهو المنهج الذي سار عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، والقرون المفضلة، إنه المنهج الوسط، منهج الخيرية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110) ، إنه منهج الاعتدال واليسر والتوازن، وسط بين الغلو والجفاء، بين الإفراط والتفريط، وليس هو منهج التنازل، والتساهل والإفراط، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.