فهرس الكتاب

الصفحة 13222 من 27345

أما حريّة الاعتقاد فهي على غير ما عرضه أخي الكريم. فحريّة الاعتقاد في الإسلام تعني أن الله سبحانه وتعالى جعل المسؤوليّة على الإنسان نفسه ليقرّر أيؤمن أم يكفر، وليكون إيمانه إذا آمن عن قناعة وتبيّن وتصديق. وفي الوقت نفسه بعث الله الأنبياء والمرسلين ليدعوا الناس إلى الإيمان والتوحيد لا أن يتركوهم لكفرهم تحت شعارات حريّة الاعتقاد. وفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الخاتمة للرسالات كلها شرع الله الجهاد لتبليغ الرسالة، وللدعوة إلى الله ورسوله بالحكمة والموعظة الحسنة، وفرض على المسلمين إقامة الدين وإعداد القوة له والمضي بالدعوة حتى تكون كلمة الله هي العليا. وفي ظلّ الحكم بشريعة الله يأخذ كلّ إنسان حقَّه ويقف عند حدوده، كما فصّلتها الشريعة. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فمن مات على غير دين الإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو في النار. وهذه القضيّة الأخطر، حين جعل الله من مسؤولية الأمة المسلمة إنقاذ الإنسان من الكفر وإخراج الناس من الظلمات إلى النور. إلى هذه المسؤوليّة العظيمة يجب أن نلفت أنظار المسلمين ليوفوا بعهدهم مع الله.

( وقل الحقُّ من ربِّكم فمن شاء فليؤمنْ ومن شاء فليكفرْ إنَّا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سُرادقها وإن يستغيثوا يُغاثوا بماءٍ كالمُهْل يشوي الوجوه بئس الشَّراب وساءتْ مُرْتَفقًا )

الكهف: 29 ]

( الر. كتاب أنزلناه إليك لِتُخْرج الناس من الظلمات إلى النَّور بإذن ربّهم إلى صراط العزيز الحميد )

[ إبراهيم: 1 -2]

إذا كنَّا نؤمن حقًَّا أن الذين يموتون على غير دين الإسلام هم أهل النار يُلْقون في جهنَّم، أفنتركهم حتى يهلكوا ؟! لقد يسّر الله للناس سبيل الإيمان والتوحيد، ومن أهمّ ما يسّره الدعوة إلى الله ورسوله بجميع الوسائل التي بيّنها الكتاب والسنّة. هذا كما نعتقد حدود حريّة العقيدة، وهو مفهوم يختلف كلية عمَّا عرضه أخي الكريم، وعمَّا تدعو إليه الديمقراطية والعلمانية. إن التصوّر في الإسلام يربط شؤون الدنيا بالآخرة التي لها المنزلة الأعلى في الإسلام، ولا يعزل الدنيا عن الآخرة والآخرة عن الدنيا.

لقد بعث الله الأنبياء والمرسلين وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلّم ليدعوا الناس بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجهاد في سبيل الله لإنقاذ الناس.

إن التصورات التي يطرحها الأخ الكريم في هذه المقالة عزلت الدنيا كلّها عن الآخرة، وصبّت جلّ أمرها على الدنيا بتصورها الدنيوي. وجاء كثير من الأفكار تحمل مغالطات لا يحسن طرحها.

نحن أُمِرْنا أن نحمل رسالة الإسلام ونلتزمها وندعو الناس كافّة إلى التزامها، ولم نؤمَرْ بأن نعطي حقوقًا وواجبات على غير ما شرع الإسلام.

وكذلك البرّ والقسط. فالمسلم يجب أن يبرَّ ويقسط مع الناس جميعًا ويوفّيَهم حقوقهم على أساس من شرع الله، إلا الذين قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم.

نحن اليوم نطلب أن نُبَرَّ وأن يُقسَط معنا، لأننا أصبحنا تابعين، ولأن شريعة الله نُقضتْ عروة عروة. والبرّ ليس كما قال أخي الكريم بأنه:"أن تتنازل عن بعض حقك أو حقك كلّه"! عجيب هذا القول ! لقد تنازلنا نحن المسلمين حتى لم يبق مجال للتنازل. تنازلنا عن ديارنا وثرواتنا وأعراضنا، وبعد هذا كلّه، وفي هذه المرحلة التي نمرَّ بها من الذل والهوان يأتي من يقول: تنازلوا، تنازلوا !

البرُّ ليس أن تتنازل. البرُّ هو أن تعطي كلَّ صاحب حقّ حقّه. فهذا هو البرّ وهذا هو القسط، لا أن يتنازل المسلمون عن حقوقهم ! لماذا يتنازلون ؟! لا أكاد أفهم هذا المنطق، ولمصلحة من تثار هذه الأفكار وتنشر اليوم ؟!

وهنا سؤال يرد: من هم الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا ولم يقتلونا؟! أين هم ؟! أكبر نسبة في العالم من اللاجئين هي من المسلمين ! أُخرجوا من ديارهم، وقُوتلوا !

وهذا كلّه لا يمنع أن نبرَّ نحن المسلمين من لم يقاتلنا ولم يخرجنا من ديارنا ولم يظاهر على إخراجنا !

إنَّ معنى البرِّ يحدّده كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم، ولا تُحدّده تصوّرات خاصّة لا تجد حجّتها في اللغة ولا في الدين. وآية البرّ لم تنزل في حقّ الأقليّات كما يذكر الأخ الكريم لأن أخي الكريم قرّر هو نفسه أن مصطلح"الأقلية"لم تعرفه الحضارة الإسلامية، فكيف تكون الآية نزلت في حقّ الأقليات؟! وما علاقة هذا كلّه بما ذكره الأخ الكريم من أن من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة ؟! فهل المعاهَد هو الذي يُقتل اليوم ؟! أوليس آلاف المسلمين يُقتّلون ظلمًا ! فهذه هي القضيّة التي تستحقُّ أن تُدْرس ويكتب عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت