أما إن أعلن السلطان معارضته للشرع، وتصديه لما أنزل الله، ويرى أن فيما يحكم به صلاح الأمة، وأن ما حكمت به الأمة في صدر الإسلام، وما بعده لا يتوافق مع واقع الأمة في هذا العصر، في شؤونها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولاسيما السياسية الدولية، فإن مثل هذا كافر كفرًا صريحًا، لأن من يزعم أن ما أنزل الله تعالى كتابًا وسنة لا يصلح لكل زمان ومكان، قد أنكر صريحًا من الدين فيه برهان من الله ورسوله، فالقرآن كتاب الله تعالى الخالد هدية للأمة، المبين لها شؤون حياتها حتى تقوم الساعة، لا تستقيم حياة الأمة في أي طور من أطوارها، وأي مناخ من مناخاتها إلا بهديه، ومن لم يؤمن بذلك، فقد كفر كفرًا مخرجًا من الملة لأنه يعتقد بهذا أن الله عاجز عن أن ينزل ما فيه صلاح الأمة حتى قيام الساعة، أو يعتقد أن الأمة، بحاجة إلى كتاب ونبي جديد يتناغم ـ في زعمه ـ مع واقع الحياة المعاصرة أو أن الله عجز عن علم ما فيه صلاح الأمة بعد خمسة عشر قرنًا من نزول القرآن، فلم يودع فيه ما يهدي إلى صلاحها من بعد، وكل ذلك لا يتوقف عاقل في القول، بأن قائله فيه من الله برهان قاطع، بأنه كافر كفرًا مخرجًا من الملة.
قال عز وجل: ? فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا? [النساء65 ] .
فإذا ما ثبت كفر السلطان كفرًا مخرجًا من الملة، فقد وجب على الأمة الخروج عليه ونزع يد الطاعة منه وعزله، ولو كان عزلًا بالسيف، فإذا كان لا بد من السيف فهو فريضة، لأنه ليس في الأمة أنكى وأنكر من أن يكون سلطانها كافرًا بدينها وليس لكافر على مسلم ولاية.
وتلك هي الحالة التي أبيح فيها للأمة بل فرض عليها الخروج على السلطان وعزله وإن كان بالسيف: حالة كون لسلطان كافرًا كفرًا صراحًا.
عن جنادة بن أمية قال: (دخلنا على عبادة بن الصامت، وهو مريض فقلنا: حدثنا -أصلحك الله - بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال: (دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فبايعناه، فكان فيما أخذه علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال:"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان"(9) .
إذًا فالإسلام يدعو إلى الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية خلف ولي أمرها وإن كان عاصيًا وعلى الأمة أن تؤدي للوالي حقه عليها وتسأل الله تعالى الذي لها وتصبر حتى تلقى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على الحوض، وإن ضرب الإمام الظهر، وأخذ المال، إلا أن يأمر الوالي بمعصية، أو ينهى عن طاعة عن علم، أو يأتي من الأقوال والأفعال ما هو كفر صراح فيه من الله برهان، كنزع إقامة صلاة أو امتناع عن الحكم بما أنزل الله، على نحو ما ذكرنا، أو مناصرة غير المسلمين وتنفيذ مخططاتهم في إذلال الأمة، والإرجاف في قومه بأن أمور العالم من حولها وتصريفها إنما هي في يد دولة ما، غير مسلمة، لبث روح اليأس في قومه فيرتعوا لأعدائها... الخ.
تلك الأفاعيل الماحقة لوجود الأمة المسلمة والعزة والمنعة فمثل ذلك لا يسع الأمة قط الصبر عليه، بل يجب عليها فريضة عين أن تنزع يد الطاعة منه، وأن تخلع بيعته، وإن تولى على المسلمين غيره منهم يقودهم بكتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن لم يكن لها سبيل إلى تحقيق هذا إلا السيف، فإن السيف أهون من الحياة تحت ولاية مثل هذا السلطان وإن السيف حينذاك هو العدل الذي لا تقوم الحياة المسلمة إلا به.
وإذا كان هدي الإسلام فيما دون كفر الإمام هو الصبر والسمع فيما لا معصية لله تعالى فيه، فإن من هديه أيضًا السعي بالحسنى إلى تغييره واستبداله بإمام صالح ، إذا كان إلى ذلك سبيل حسن، لا يراق فيه دماء.
وعل علماء الأمة بيان ذلك السبيل الحسن، والدعوة إليه ومناصرته بالحكمة والموعظة الحسنة.
فاصل القول:
إذا كان جليًا أن تغيير المنكر إنما هو لدرء المفاسد، فإذا ما تيقن المسلم، أو غلب على ظنه الراشد، أن تغييره منكرًا سوف يوقعه في منكر أعظم وأعم فجمهور العلماء يذهبون إلى ترك تغيير ذلك المنكر دفعًا لوقوع ما هو أشد منه وفي هذا يقول العلامة ابن القيم: (إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر.. ) .