ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة، وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه، خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه، فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته.
الثالثة: أن يخلف ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه .
فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة) (10) .
وتقدير درجات المنكر في حادثات الحياة ونوازلها، وما بينها من مراتب بحاجة إلى بصيرة نافذة في دقائق فقه الدين، وفي فقه النوازل، الذي هو أساس فقه التدين، وبحاجة أيضًا إلى الحكمة البالغة، وإخلاص النصح في تحقيق ما اشتبه، وتحرير ما اشتجر، وذلك جهد بالغ لا يقوم به إلا صفوة أهل العلم.
يقول ابن تيمية:(إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما يفعلوهما جميعًا، أو يتركوهما جميعًا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر، فإذا كان المعروف أكثر، أُمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر، الزائد عليه، أمرًا بمنكر، وسعيًا في معصية الله ورسوله وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان، لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن هذا الباب: إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبيّ وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان، فإزالة منكره ينوع من عقابه، مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل حاميه) (11) فتلك حكمة النبوة التي يجب أن يتأسى بها القائمون بتغيير المنكر، ولهذا قال عمر - رضي الله عنه- بعد أن استبان له نور الحكمة النبوية في هذا: (قد والله علمت لأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعظم بركة من أمري) (12) .
وذلك عندما قال عبد الله بن أبي (أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم- ذلك القول فقام عمر فقال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-:"دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"(13) .
ومن ثم فإن تغيير المنكر، المترتب على تغييره آثار فردية وجماعية، لا يستقيم القيام به إلا من بعد مراجعة ملابساته، والموازنة بينه وبين آثاره وهذا يقتضي استشارة أهل العلم والحكمة .
ولهذا لا ينبغي أن يتهم العامة والدهماء علماء الأمة حين يوصون بالصبر على ذلك المنكر، حتى يتهيأ له الظروف ومناخات وملابسات أفضل، يؤتي التغيير فيها ثمرًا أطيب وأعظم، وهذا وجه من وجوه المعنى القرآني من قوله تعالى:? ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ? [النحل: 125] .
وفي قوله تعالى: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? [يوسف: 108] .
فالحكمة والبصيرة دعامتا النجاح في القيام بتغيير المنكر، قيامًا يرضي الله عز وجل ويحقق الغاية من التكليف به .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، والحمد لله رب العالمين.
تأليف عادل أحمد محسن البعداني
(1) صحيح مسلم: 1/69/49.
(2) شرح النووي على صحيح مسلم: 1/215.
(3) الفتح الرباني: 5/125/رقم الحديث:1660.
(4) فقه تغيير المنكر/ص: 95.
(5) صحيح البخاري:1/304/853.
(6) جامع العلوم والحكم: 2/ص 248-249.
(7) إحياء علوم الدين: 2/314.
(8) راجع في الكفر الذي لا يخرج من الإسلام ، صحيح مسلم، كتاب الإيمان ، شروحه للنووي.
(9) صحيح مسلم 3/1469 / 1709 .
(10) إعلام الموقعين، لابن القيم 3/4-5 .
(11) الحسبة، لابن تيمية ص38-39 .
(12) البداية والنهاية ، لابن كثير 4/185 .
(13) البخاري ، ج4/1861/4622 ومسلم 4/1998 /2589 .