فهرس الكتاب

الصفحة 13487 من 27345

ولهذا نجد الله تعالى يكشف الحقيقة عارية حينما تزايدت تهجمات المشركين على محمد صلى الله عيه وسلم وهو بشر يأخذه ما يأخذ البشر من ألم نفسي ، ولكن الله قال له ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) كل واحد منهم فيما بينه وبين نفسه لا يجرؤ على أن يقول إن محمدًا يتورط في الكذب ، بل أشرافهم حينما كانوا يجلسون في منتدياتهم كانوا يستعرضون أمر محمد صلى الله عليه وسلم فيقرون بأنه الصادق الأمين ، بل أين نحن من زمن سوف يأتي بعد سنوات من الخصومة قامت على أشدها بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ، والمشركون قبل الرسالة يعرفون صدق محمد وأمانته ، فما منهم من أحد عنده شيء نفيس يريد أن يحافظ عليه إلا ذهب إلى محمد ووضعه عنده . أثناء اشتداد المعركة معهم يقولون له إنك كاذب أو شاعر أو كاهن أو ساحر أو مجنون ..ولكن أحدًا منهم لم يفكر مطلقًا في أن يقول له: هات وديعتي التي عندك فإنك كذاب . ما قالوا هذا ، حين عزم محمد صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى المدينة كانت ودائع المشركين عنده وقد خلّف الرسول صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه حتى يردّ هذه الودائع إلى أهلها . فشخص محمد صلى الله عليه وسلم فوق الريبة والشكوك .

( ما ضل صاحبكم وما غوى ) ولكن قد لا يضل الإنسان ، يمشي في الدنيا مستقيمًا ولا ينحدر إلى رذائل الأخلاق ، ولكنه من ذات نفسه ، بمحض تصوراته .. وهنا فارق أساسي وجوهري بين النبي وغير النبي . النبي مرسل أي مؤتمن ومبلغ ، والمبلغ لا يتقوّل وإنما يوصل ما أُرسل به لا أقل ولا أكثر ، فالله تعالى أبرز الوصف الثاني برسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( وما ينطق عن الهوى ) هذا الذي يقوله لكم ويجاهر به أمامكم ليسن من كلام محمد ولا تصورًا من تصورات محمد ولا تفكيرًا من تفكيره ولا شيئًا من هواه ، نحن كما بشر نحب ونكره ويروق لنا أن نوصل الخير إلى من نحب ، وقد نُدخل هذا الخبر اللذيذ أن نلحق الشر بمن نكره ، ومن هنا فالإنسان العادي إن لم تصحبه عناية الله من جهة ، وإن لم يكن رقيبًا عليها فإن هذه العواصف المتضاربة التي تعتري الإنسان لا بد أن تنعكس على سلوكه ، محاباة ومجاملة أو تحاملًا وعنفًا على الأعداء . إلا أن الرسالة شيء آخر ، هناك فاصل حاسم بين الرسالة التي جاءت من خالق الكون لتنظم شؤون الكون إلى آخر عمر الكون وبين تصورات المخلوقين ، نحن فيما يتعلق بتصورات التي عاشت على البشرية وما زالت تعيش ما نزال قانونًا ينسخ قانونًا وشريعة تنهي شريعة واتجاهًا يدمدم على اتجاه ، ما معنى هذا ؟ الناس هم الناس ، الإنسان رأسه في أعلاه ورجلاه في أسفله ، لم يتحول ويمشي على رأسه ويفكر برجليه ، والإنسان يمشي رجليه لم يتحول ليمشي على أربع ، منذ أن خلق الله سيدنا آدم الإنسان لم يغير شيئًا في جوهره ، والملكات النفسية والأشواق الروحية والتصورات العقلية هي نفسها ، فإذا كان المخلوق البشري هو نفسه منذ أن خلقه الله فما الذي يبرر اختلاف النظم من وقت إلى وقت ، من جيل إلى جيل ومن زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان . الذي يبرر هذا فعلًا هو أن الإنسان إن لم يكن مرتبطًا بوحي الله جل وعلا يفيء إليه حين تختلط عليه السبل والطرق فإنه سوف يتأثر لا محالة بهذه النوازع التي توجدها في داخله الظروف والأحوال التي يعيش فيها .

لو أننا تركنا الناس يفكرون لأنفسهم فالإنسان يحب ذاته ويحب قريبه وأصدقائه ، والإنسان يكره أعداءه ويريد أن يلحق الضرر بهؤلاء الذين ألحقوا به الأضرار ، فساحة الحياة حين تُترك بين يدي الإنسان لن تكون أقل من ساحة حرب أو ساحة وحوش ولن تكون النتيجة أقل من مجازر هنا وهناك . التفتوا إلى الماضي البعيد أو القريب في التاريخ كله فأنتم تعثرون على النتائج الوخيمة التي وقعت فيها البشرية من وراء احتكامها إلى تصوراتها وأهوائها ومن وراء نبذها لكلام الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت