( والنجم إذا هوى ) والجمعة الماضية تحدثت إليكم عن الإيحاءات التي يحسها العربي صاحب اللغة المتمتع بالفطرة السليمة والسليقة السليمة حينما يأتيه الكلام الإلهي المعجز بلغته التي يتحدث بها يوميًا ، تحدثت إليكم عن ماذا يحس الإنسان العربي حينما يسمع القسم بالنجم ، الله تعالى أقسم في سور عديدة قسمًا مجردًا ، قال ( والسماء والطارق ) ولم يذكر شيئًا من أوصاف السماء فبحسب قارئ القرآن أن يلتفت ذهنه إلى هذا البناء والسقف المحفوظ لكي يدرك عظيم صنع الله وهو المراد في هذا الموطن . ولكن المراد في فاتحة النجم غير هذا ، المراد به أن يلفت النظر إلى ضلالة العرب حينما كانت تعبد النجوم فقال لهم ( والنجم إذا هوى) أقسم بالنجم ليس مجردًا وإنما موصوفًا بالهوي والتغير والانحدار والحدوث لكي يترك هذا الإشعاع اللطيف الذي ينفذ إلى الحس ويأخذ بمجامع النفوس حين يشير إلى آلهة من آلهة العرب تعبدها من غير استحقاق ومن غير جدارة ، وتعبدها لماذا ؟ لأنها بعيدة فقط ومتعالية عن أن تنالها اليد في ذلك الزمان . ولكن الأمر انتهى عند هذا الحد ليسوق الله تعالى الحديث في اتجاه قضية النبوة وهي إحدى القضايا الرئيسية التي عُني بها القرآن المكي ، قال لهم ( والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ) وشديد القوى هنا يشار به إلى جبريل عليه السلام ( ذو مرة فاستوى ) المرة أي القوة ، والأصل في المرة الحبل يُفتل فتلًا شديدًا حتى يقوى فيقال: استمر مرير فلان أي مضى في الأمر الذي هو قاصد إليه بحزم وعزم وقوة ، فالمراد بذي المرة ذو القوة ( ذو مرة فاستوى ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ) إلى هذا الحد من الآيات تكون فاتحة السورة قد عرضت علينا عددًا من القضايا ، أول هذه القضايا تبرئة محمد صلى الله عليه وسلم مما اتهمه به المشركون ، فالمشركون قالوا عنه أنه كذاب ومجنون وشاعر وساحر وكاهن وقالوا إن هذا الذي يأتي به أساطير الأولين أي كلام من الخرافات التي ترويها العجائز فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا ، وقالوا إنما يعلمه بشر من هؤلاء الذين لفظتهم دولة الرومان فجاءوا مشردين إلى الجزيرة العربية يسكنون هنا وهناك فرد الله عليهم قائلًا ( لسان الذي يلحدون إليه ) يتهمون محمدًا صلى الله عليه وسلم بالأخذ عنه ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) فلو أنك ضممت كل هذه التهم التي ألصقها الجاهليون بمحمد صلى الله عليه وسلم لكان حصيلتها أن من يتصف بهذه الأوصاف جميعًا هو ضال ومتقول ومفترٍ ، نزه الله تعالى نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم من مطاعن المشركين بصياغة لا بد أن يلتفت إليها الإنسان ليدرك إعجاب القرآن وليدرك البلاغة التي تتقطع دونها الأعناق وليدرك أن قصارى ما يبلغه طوق البشر أن يشموا شيئًا من روائح هذه البلاغة المعجزة . لاحظوا ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) ما قال ما ضل محمد ، وما قال ما ضل عبدي ، وما قال ما ضل رسول الله ، وإنما قال: ( ما ضل صاحبكم ) بهذه اللفظة المفردة التي هي صاحبكم أثيرت المشكلة على صعيد الواقع وهو أجدى الأصعدة التي تُثار عليها المشكلات ، من محمد ؟ أنتم الآن تماروا وتجادلون في صحة وأحقية هذا الذي يأتيكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتجهلونه يا معاشر العرب ؟ أليس محمد هو اليتيم الذي ولد لعبد الله ، ثم ماتت أمه وجده ثم تُرك لمعضلات الحياة ومشكلاتها ؟ وهو الذي عاش بينكم أربعين عامًا ليس يومًا ولا يومين ولا سنة ولا سنتين وإنما هي أربعون عامًا ، صرفها بينكم يا معاشر المكيين فهو صاحبكم تعرفونه كما يعرف الصاحب صاحبه ، ليس غريبًا عنكم ، في كل مراحل حياته أخذتم معه وأعطيتم ، أجرّبتم عليه كذبًا ؟ هل رأيتم عليه في كل مراحل حياته صبوة أو كبوة ؟ هل لاحظتم عليه شيئًا من اختلال العقل أو ما شابه ذلك ؟ لا من هذا ولا من ذاك . يرحم الله أبا العلاء لقد كان يدرك أن الإنسان إذا قطع أشواطًا من عمره حتى جاوز مرحلة معينة فلا خوف عليه ، كان يقول:
وما بعد الأربعين صباء
ما بعد الأربعين انحراف إلا عند هؤلاء المسوخ التي يستعبدها الشيطان . تجارب الحياة الطويلة تعيب عليه أن يفعل ما يعيب ، بل تجعله أن يتوقر .