فهرس الكتاب

الصفحة 13701 من 27345

وهذه الأصناف الثلاثة ، تتفرع إلى أسباب متعددة ..."ثم ذكرها ـ رحمه الله تعالى ـ وهي جديرة بالمراجعة لأهميتها ،والمقصود هنا ،وجوب التماس العذر لمن هذه صفته والله المستعان ."

التنبيه الثالث:

أن الشخص قد يقرأ في بعض السير ـ وأعني بذلك سير التابعين ومن بعدهم ـ أخبارًا عن أحوال وأقوال زائدة عن الأحوال التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ،فبالإضافة إلى ما سبق من التنبيهين السابقين: [وهما: التثبت في النقل ،والتماس العذر لمن ثبتت عنه المخالفة ] فلا بد من الوقوف مع هذه المسألة لكثرة ما يعرض لقراء السير من ذل .

وأكتفي في التنبيه على هذه القضية بذكر كلام متين لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في الفتاوى"11/13-14 حينما تكلم عن بعض الأحوال التي تذكر عن بعض الصالحين من الزهاد والعباد والتي وقع فيها زيادة في العبادة والأحوال ،قال ـ رحمه الله تعالى ـ:"

"وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة ،وأمثال ذلك ،قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضي الله عنهم ،وعلى ما سنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمور توجب أن يصير الناس على طرفين:"

قومٌ يذمون هؤلاء وينتقدونهم وربما أسرفوا في ذلك ، وقومٌ يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها ،والتحقيق أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهدون ... إلى أن قال: والصواب للمسلم: أن يعلم أن خير الكلام كلام الله ،وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - ،وخير القرون القرن الذي بُعث فيهم ، وأن أفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه ،ويُعْلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم ،كما قال تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم"وقال - صلى الله عليه وسلم -:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"،وقال تعالى:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"وإن كثيرا من المؤمنين ـ المتقين أولياء الله ـ قد لا يحصل لهم من كمال العلم والإيمان ما حصل للصحابة ،فيتقي الله ما استطاع ،ويطيعه بحسب اجتهاده ،فلا بد أن يصدر منه خطأ: إما في علومه وأقواله ،وإما في أعماله وأحواله ،ويثابون على طاعتهم ،ويُغفر لهم خطاياهم ،فإن الله تعالى قال:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ،كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ...إلى قوله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"قال الله تعالى: قد فعلت ،فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع ، ومن جعل كل مجتهد في طاعةٍ أخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا ،فهو مخطئ ضال مبتدع ..."."

ولعلي أضرب لذلك مثلًا يمر كثيرا بقراء بعض سير العباد ،فمثلًا: قد يقرأ أحدنا في ترجمة رجلٍ ما: أنه كان يقوم الليل كله ، أو كان يختم القرآن كل يوم ، أو كان يصوم الدهر ،فإذا عرضنا هذه الأعمال على السنة وجدنا بعضها مخالف صراحةً للسنة كقيام الليل كله كما قالت عائشة رضي الله عنها ،وبعضها الراجح فيها من حيث الدليل ـ أيضا ـ أنها مخالفة للسنة كختم القرآن في أقل من ثلاث ، أو صيام الدهر .

التنبيه الرابع:

أنه ينبغي ـ بعد التثبت ـ من صحة ما قرأ ، أن يسأل عن سبب هذا النقد ؛ أو ذاك الذم ، فقد يكون الدافع لذلك النقد الذي وُجِّه إلى ذلك الشخص هو الحسد ، أو هو من قبيل التنافس بين الأقران ، وما أعظم أثر هذا السبب !!!

ولهذا لما أورد الحافظ الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ بعض الحكايات وكلام الأقران بعضهم في بعض في كتابه"سير أعلام النبلاء"قال ـ رحمه الله تعالى ـ: 5/275:"كلام الأقران يطوى ولا يروى ، فإن ذُكر ، تأمله المحدّث فإن وجد له متابعا وإلا أعرض عنه"وقال مرةً (10/92) :"كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية ، لا يلتفت إليه ، بل يطوى ولا يروى ..."ا.هـ .

والإنسان بشر ، يغضب وتعتريه حِدّة نفَس ،ويغلط في بعض الأحيان ، فتصدر منه بعض الكلمات التي قد يتراجع عنها فيما بعد .

وقد يكون ذلك النقد وهمًا من أحد النقاد بحيث يريد شخصا فيقع النقد على آخر ، وهذا كثير في كتب الرجال والتراجم .

ومن الأمثلة على ذلك ـ وهو محل تأمل ـ أن ابن حبان جزم في أن النسائي أنما تكلم في أحمد بن صالح الشمومي ، لا في أحمد بن صالح المصري الإمام الحافظ المشهور ـ كما في التقريب (48) ـ وهذا مبحث معروف عند أهل العلم ، وهو مبحث: الرواة الذين يقع الاشتباه في أسمائهم ، ولا يكاد يسلم من الوهم فيه إمام من الأئمة ، رحمة الله على الجميع .

التنبيه الخامس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت