أن ما ذكر من التنبيهات ،ينبغي ألا يحدث ردة فعل عكسية ،بحيث يبدأ الإنسان لا يقبل ثناءً ولا مدحا قيل في فلان إلا بعد التثبت والنظر ، كلا ، فجانب المدح والثناء على الشخص الأمر فيه أسهل ، والخطب فيه أيسر ، اللهم إلا إذا ترتب على توثيقه وتعديله أثرًا في الحكم على الأحاديث النبوية ، فهنا يأتي مجال الجرح والتعديل لرواة الحديث النبوي ، ولهذا الميدان رجاله وفرسانه .
أما إذا كان المدح والثناء على شخص بكثرة التعبد ، وبالزهد ،وببر الوالدين ، وصلة الأرحام ، فلا حاجة هنا للبحث والتفتيش ، إذْ الأصل في المسلم عمومًا هو الخير والصلاح ، فكيف إذا نقل هذا عن أهل علم وفضل وصلاح ؟! .
وعلى كل حال: فإن الإنسان إذا اشتهر فضله ،وذاع في الخير صيته ، وعُرِف صلاحه عند صلحاء الأمة ، كان ذلك برهانا على صلاحه ،وأمر السرائر إلى الله تعالى ، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ كما في الصحيحين ـ من حديث أنس - رصي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنتم شهداء الله في الأرض ،أنتم شهداء الله في الأرض ،أنتم شهداء الله في الأرض"."
التنبيه السادس والأخير:
يقف بعض قراء السير على مواقف لبعض السلف - رضوان الله عليهم ـ ، سواء كان ذلك الموقف في التعامل مع الأهل ، أو مع الوالدين ، أو مع الأصحاب ، أو حتى مع السلاطين والحكام ، فيتخذ من ذلك الموقف أو تلك القصة منهجا يتعامل به ، وقد يكون ذلك الموقف غير صحيح من الناحية الشرعية ،وهو إما اجتهاد مرجوح ، أو غلط صدر منه وهو معذور فيه ، لكنه لا يتابع عليه .
ومكمن الخطأ الذي قد يقع فيه البعض هنا ، أنه يبدأ يتحاكم إلى هذا الموقف ، فيصوب ما وافقه ، ويخطّئ ما خالفه ،وأشد من ذلك أن يجعل هذا الفعل منهجًا ،فيقول: منهج السلف هكذا ، وهذه طريقة السلف ، وهو حينما يتحدث ، ربما ليس في ذهنه إلا هذا المثال ،مع أنه قد يتبين من خلال البحث أن ذلك الإمام مخالف من قِبَل آخرين من ممن شهدت لهم الأمة بالإمامة .
إن من الخطأ البين أن يختصر منهج السلف كله في منهج رجل أو رجلين ، أصاب أو أخطأ !! إن منهج السلف - رضوان الله عليهم ـ يتشكل من النظر في سيرة عشرات بل مئات من الأئمة الذين عاشوا في تلك الحقبة المباركة من عمر هذه الأمة ، فبمجموع ما ينقل عنهم ويُسْتقرأ من أحوالهم ـ إما كلُهم أو أغلبُهم على الأقل ـ يمكن أن يصف الإنسان ذلك المنهج بأنه منهج السلف أو بعبارة أدق: منهج كثير من السلف .
ومما ينبغي التنبه له أيضًا ، معرفة منازل أولئك الأئمة ،ومقدار بلائهم في الدين ، علما وعملًا ودعوة ،ولكل منهم قدره وفضله ،لكن:"ولكل درجات مما عملوا".
هذا ما أحببت الإشارة إليه في هذه العجالة ، وفي اعتقادي أن الموضوع يحتاج إلى بسط ومزيد أمثلة ، ولعل فيما تقدم تنبيه على ما لم يذكر ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .