فهرس الكتاب

الصفحة 13709 من 27345

12-التفريق بين الخطأ في حق الشرع والخطأ في حق الشخص: فإذا كان الدين أغلى عندنا من ذواتنا؛ وجب علينا أن ننتصر له ونحامي عنه، ونغضب له أكثر مما نغضب لأنفسنا وننتصر لها . وإن من ضعف الحمية الدينية أن ترى الشخص يغضب لنفسه إذا سبّه أحد، ولا يغضب لدين الله إذا اعتدى على جنابه أحد، أو تراه يدافع باستحياء وضعف . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسامح من أخطأ عليه كثيرا وخصوصا جُفاة الأعراب؛ تأليفا لقلوبهم فقد جاء عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ . رواه البخاري ومسلم وأحمد . وأما إذا كان الخطأ على الدين؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يغضب لله تعالى، وستأتي أمثلة.

13-وهناك أمور أخرى تحتاج إلى مراعاة في باب التعامل مع الأخطاء مثل: التفريق بين الخطأ الكبير والخطأ الصغير، وقد فرقت الشريعة بين الكبائر والصغائر ... التفريق بين المخطئ صاحب السوابق في عمل الخير والماضي الحسن، الذي يتلاشى خطؤه، أو يكاد في بحر حسناته، وبين العاصي المسرف على نفسه، وكذلك: فإن صاحب السوابق الحسنة يُحتمل منه ما لا يُحتمل من غيره ومما وقع للصديق في ذلك القصة التالية: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلْنَا فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي وَكَانَتْ زِمَالَةُ [دابة السفر ] أَبِي بَكْرٍ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً مَعَ غُلامٍ لِأَبِي بَكْرٍ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ قَالَ أَيْنَ بَعِيرُكَ قَالَ أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ قَالَ فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: [انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ ] قَالَ ابْنُ أَبِي رِزْمَةَ فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَقُولَ: [انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ ] وَيَتَبَسَّمُ .رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني . التفريق بين من وقع منه الخطأ مرارا، وبين من وقع فيه لأول مرة ... التفريق بين من يتوالى منه حدوث الخطأ، وبين من يقع فيه على فترات متباعدة ... التفريق بين المجاهر بالخطأ والمستتر به. مراعاة من دينه رقيق ويحتاج إلى تأليف قلب، فلا يُغلظ عليه ... اعتبار حال المخطئ من جهة المكانة والسلطان، وهذه الاعتبارات التي مضى ذكرها لا تتعارض مع العدل المشار إليه آنفا

14-الإنكار على المخطئ الصغير بما يتناسب مع سنّه:فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ: [كِخْ كِخْ أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ] رواه البخاري ومسلم والدارمي وأحمد . وعن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل، فأخذ حفنة من ماء، فضرب بها وجهي، وقال: [وراءك أي لكاع] رواه الطبراني، وقال الهيثمي: إسناده حسن. وبهذا يتبين أن صِغَر الصغير لا يمنع من تصحيح خطئه بل ذلك من إحسان تربيته، وهذا مما ينطبع في ذاكرته، ويكون ذخيرة لمستقبله، فالحديث الأول: فيه تعليم الطفل الورع . والثاني: فيه تعليمه الأدب في الاستئذان، وعدم الاطّلاع على العورات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت