فهرس الكتاب

الصفحة 13831 من 27345

لقد تجاهلوا هذا النداء وصاحبيه وتوجهوا بالحديث إلى موسى عليه السلام متغافلين عن وجود الرجلين وطلبهما فَ"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" (المائدة:24) إن من أهم الصفات التي تتلازم مع الجبن والجبناء هي الوقاحة وسوء الأدب وسلاطة اللسان … استمع إليهم وهم يخاطبون نبيهم باسمه المجرد ولا يقولون:"يا نبي الله"أو"يا رسول الله"ولم يكن هذا خلق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، واستمع إليهم وهم يطلبون من موسى أن يقاتل هو وربه الذي أمره بالقتال . وذاك منتهى سوء الأدب وقلة الدين … وانظر الفارق بينهم وبين أصحاب محمد عليهم الصلاة والسلام حين استشارهم في إحدى المعارك فقام قائلهم فقال: والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى، اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون"، وكأن بني إسرائيل بقولهم هذا يشككون في قدرة الله تعالى على هزيمة الكافرين وبالتالي فهم قاعدون في أمكنتهم ينتظرون ما تكون النتيجة بين"الجبارين"ورب العزة سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا."

إن الوقاحة لا تكلف إلا سلاطة اللسان، وأما النهوض بالواجب فيكلف وخز السنان.

يا رب - يقول موسى عليه السلام - إني لا أملك أمر أحدٍ أحمله على طاعتك إلا نفسي وأخي، ولا أثق بغيره أن يطيعك، ولقد جربهم موسى زمنًا طويلا حتى خرج بهذه النتيجة _ ولم يستثن الرجلين _ علمًا بأن بعض المفسرين يميلون إلى أن الرجلين هما موسى وهارون عليهما السلام - إذ أن قومهما صاروا خصوما لهما، وكذلك الجبن إذا استحكم في شعب فإنهم يبغضون من يدعوهم إلى العزة … ويكمل موسى دعاءه"فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"، فإن تعاقبهم فلا تشملنا بعقوبتهم، إننا مطيعون لك يا رب … وهم فاسقون خارجون عن طاعتك … وهنا يتفتح سبب آخر من أسباب الجبن وهو الفسق والخروج عن طاعة الله ويشمل حب الدنيا وترك الفرائض وإتيان المحرمات… كل ذلك فسق… والفاسق يخشى الموت … لأنه لا يحب لقاء الله بصفحته السوداء، فيجبن عن القتال الذي هو مظنة القتل والموت.

وكذلك فإن الشعوب الغارقة في الشهوات والملاهي لا تصلح للجهاد، وهي تعرف ذلك من نفسها فتجبن عن القتال مؤثرة الدعة والراحة، وراضية بأي طرح من زعمائها أو أعدائها، حتى ولو كان فيه هلاكها. وعند هذا الحد يحق عليهم القول ويستحقون العذاب ويعلم الله تعالى موسى بالعقوبة التي ستحل بهم (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:26) .. إن الجبناء لا يستحقون وطنًا لأنهم حتى لو انسحب عدوهم من الأرض وسلمهم إياها فليسوا على قدر المسؤولية ولن يكونوا أهلًا لحمايتها بل سيضيعونها، ويصدق فيهم قول الشاعر:

ومن أخذ البلاد بغير حرب يهون عليه تسليم البلاد

ومن هنا تكون العقوبة حرمانهم من دخول الأرض المقدسة أربعين سنة حتى يفنى الجيل الجبان المتخاذل ويأتي جيل جديد يعشق الحرية ويقدم ثمن تحرير الأرض المقدسة. وهذا التيه والشتات في بلاد الله حيث لا استقرار ولا راحة ولا كرامة.. فلعلهم يشعرون بضرروة الجهاد.

وتأتي هذه النتيجة وكأنها سنة إلهية في الأمم والمجتمعات فأيما أمة تجبن عن مقاتلة عدوها وتحرير أوطانها ثم تطلب من هؤلاء الأعداء أن ينسحبوا دون قتال حتى يتسنى لها إقامة دولتها، أو تطلب من دول العالم الكبرى والصغرى والهيئات الدولية أن تعمل على إخراج العدو نيابة عنها وهي قاعدة تنظر وتنتظر.. مثل هذه الأمة سيكون جزاؤها التيه والشتات في أرجاء الأرض حتى تعود إلى رشدها وتستعد للتضحية والفداء.

وانه قد آن الأوان للفلسطينيين بعد هذا الشتات الطويل ألا ينتظروا انسحاب عدوهم من أرضهم تكرمًا وتفضلًا أو بمؤتمرات ووساطات حتى لا يزدادوا تيهًا إلى تيههم وشتاتًا إلى شتاتهم وبالتالي لا يستحقون رثاء ولا أسىً لحالهم كما كان حال قوم موسى إذ نهاه ربه أن يأسى عليهم على ما أوقعوه بأنفسهم ( فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة: من الآية26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت