فهرس الكتاب

الصفحة 13901 من 27345

[ 33 ] ترك التشبه بالبهائم: لما أن الله كرم ابن آدم , وخلقه في أحسن تقويم ، كان من المعيب أن يتشبه الآدمي بالبهائم , وقد نهينا عن مشابهة عدد من هيئات البهائم , وحركاتها في الصلاة ؛ لما في ذلك من منافاة الخشوع , أو قبح الهيئة التي لا تليق بالمصلي ، فمما ورد في ذلك: [ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ ثَلَاثٍ نَقْرِ الْغُرَابِ وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجُلُ الْمَقَامَ الْوَاحِدَ كَإِيطَانِ الْبَعِيرِ ] رواه أحمد . قيل معناه: أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد , مخصوصا به يصلي فيه كالبعير لا يغير مناخه , فيوطنه . الفتح الرباني 4/91 . وفي رواية: [ نَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ ] رواه أحمد , وهو في صحيح الترغيب رقم556 .

هذا ما تيسر ذكره من الأسباب الجالبة للخشوع ؛ لتحصيلها , والأسباب المشغلة عنه , لتلافيها , وإن من عظم مسألة الخشوع , وعلو قدرها عند العلماء ؛ أنهم ناقشوا القضية التالية:

مسألة: فيمن كثرت الوساوس في صلاته ، هل تصح أم عليه الإعادة ؟

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ' فإن قيل: ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع ، هل يعتد بها أم لا ؟ قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد بها ، إلا بما عقل فيه منها ، و خشع فيه لربه . قال ابن عباس: [ ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ] .

و في المسند مرفوعا: [إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا ] فقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم ، فدل على أن من لم يخشع ؛ فليس من أهل الفلاح ، و لو اعتد له بها ثوابا ؛ لكان من المفلحين . و أما الاعتداد بها في أحكام الدنيا , وسقوط القضاء: فإن غلب عليها الخشوع , و تعقلها اعتد بها إجماعا ، و كانت من السنن و الأذكار عقيبها: جوابر , و مكملات لنقصها . وإن غلب عليها عدم الخشوع فيها , و عدم تعقلها: فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها ، فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد .

و من هذا أيضا اختلافهم في الخشوع في الصلاة , و فيه قولان للفقهاء ، و هما في مذهب أحمد و غيره .

و على القولين: اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته ، فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد , ولم يوجبها أكثر الفقهاء . و احتجوا بأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو و لم يأمره بالإعادة مع قوله: [ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فِي صَلَاتِهِ فيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ] . و لكن لا نزاع: أن هذه الصلاة لا ثواب على شيء منها إلا بقدر حضور قلبه , و خضوعه ، كما قال صلى الله عليه و سلم: [ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا ] و قال ابن عباس: [ ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ] فليست صحيحة باعتبار ترقب كمال مقصودها عليها , و إن سميت صحيحة باعتبار أنا لا نأمره بالإعادة . مدارج السالكين 1/112 .

و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في الصحيح أنه قال: [إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ] . قالوا: فأمره النبي في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها ، حتى لم يدر كم صلى بأن يسجد سجدتي السهو ، و لم يأمره بإعادتها ، و لو كانت باطلة - كما زعمتم - لأمره بإعادتها .

قالوا: و هذا هو السر في سجدتي السهو ، ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد ، و كونه حال بينه و بين الحضور في الصلاة ، و لهذا سماها النبي المرغمتين . مدارج السالكين 1/528-530 . فإن أردتم وجوب الإعادة ؛ لتحصل هذه الثمرات , و الفوائد ، فذاك كله إليه إن شاء أن يحصلها , و إن شاء أن يفوتها على نفسه . و إن أردتم بوجوبها: أنا نلزمه بها , و نعاقبه على تركها , و نرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا , و هذا هو أرجح القولين , و الله أعلم .

خاتمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت