مر علي ابن السماك صاحب له عتب عليه، فقال لبن السماك: غداَ نتحاسب ـ يعني غدًا ألتقي معك أحاسبك وتحاسبني، وألومك وتلومني، ونعرف من هو المخطئ منا ـ فقال ابن السماك: لا والله، غدًا نتغافر!
فالمؤمنون لا يتحاسبون ، ولا يقول أحدهم للآخر: أنت كتبت في كذا.. وقلت كذا، وسمعت أنك تغتابني.. و.. .. إلخ، لا .. هذا أسلوب خاطئ ، والصحيح أن يقول له: (( غفر الله لك ) ).
3-بذل الأعراض والأموال في سبيل الله:
لقد وصل الجيل المبارك إلي حد أن يقوم أحدهم وهو أبو ضمضم يصلي في الليل ثم يتوجه إلي الله ـ تعالي ـ بالدعاء قائلًا: اللهم إنه ليس لي مال أتصدق به في سبيلك، ولا جسم أجاهد به في ذاتك ، ولكني أتصدق بعرضي علي المسلمين.. اللهم من شتمني، أو سبني، أو ظلمني، أو اغتابني، فاجعلها له كفارة!!
ويروي أن النبي صلي الله عليه وسلم حث علي الصدقة ذات يوم ، فقام علبة ابن زيد فقال: يا رسول الله! حثثت علي الصدقة، وما عندي إلا عرضي، فقد تصدقت به علي من ظلمني، قال: فأعرض عنه رسول صلي الله عليه وسلم . ولما كان في اليوم الثاني قال: (( أين علية ابن زيد ، أو أين المتصدق بعرضه، فإن الله ـ تبارك وتعالي ـ قد قبل ذلك منه ) ).
فهذا هو المتصدق بالأعراض ، ولابد أن يبذل الدعاة وطلبة العلم أعراضهم كما بذلها محمد صلي الله عليه وسلم ، فإن بذل عرضه وماله ودمه لهذه الدعوة الخالدة، فعسي الله أن يجعل دماءنا وأنفسنا وأعراضنا وأموالنا وأبناءنا وأهلنا فداء ل (( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ).
4-تحمل زلات الغير:
ذكر الغزالي ـ صاحب الإحياء ـ أن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد ، أغتابك فلان!، قال: تعال، فلما أتي إليه أعطاه طبقًا من رطب، وقال له اذهب إليه وقل له: أعطيتنا حسناتك، وأعطيناك رطبًًا ! فذهب بالرطب إليه!
فالمقصود من هذا أن الدنيا أمرها سهل وهين، وأن بعض الناس يتصدق بحسناته ، فلا عليك مهما نالك حاسد، أو ناقم ، أو مخالف، أو منحرف! فاعتبر ذلك في ميزان حسناتك، واعلم أن ذلك رفعة لك.
ويروي في مسيرة موسى عليه السلام أنه قال: يا رب، أريد منك أمرًا! قال: ما هو يا موسى ؟ ـ والله أعلم به ـ قال: اسالك أن تكف ألسنة الناس عني! قال الله ـ عز وجل ـ: يا موسى ، وعزتي وجلالي، ما اتخذت ذلك لنفسي، إني اخلقهم، وأرزقهم وإنهم يسبونني ويشتمونني!!سبحان الله ! الله! الرحمن، الأحد، الفرد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، يسب من الناس!! هذا المخلوق الضعيف، الذليل الحقير، الحشرة، يخرج نطفة، ثم يسب الله ويشتمه ـ جلا وعلا؟!.
وفي البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (( قال الله ـ تعالي ـ شتمني ابن آدم ، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له ! أما شتمه فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني ) ).
وعند احمد في كتاب الزهد أن الله ـ عز وجل ـ يقول: (( عجبًا لك يا ابن آدم، خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتشكر سواي! أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي، وأنت فقير إلي! خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد ) )
فما دام أن الواحد الأحد ـ سبحانه وتعالي ، يسبه ويشتمه بعض الأشرار من خلقه ـ فكيف بنا نحن ، ونحن أهل التقصير؟!
إذا علم هذا فإنه خير دليل علي المثل العليا التي حملها أصحابه عليه الصلاة والسلام ـ ورضي الله عنهم ـ فتراضوا واختلفوا كما يختلف البشر، وأتت بينهم نفرة في أيام من حياتهم! ولكنهم عادوا في صفاء، وفي عناق ، وفي صبور، وفي محبة؛ لأن المبدأ الذي يحملونه مبدأ واحد، وليس مبادئ متعددة، فمبدؤهم: (( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ). وما حصل بينهم دليل علي أنهم لم يخرجوا عن بشرتهم، ولم يصبحوا ملائكة، ولم يخرجوا من عموم قوله صلي الله عليه وسلم: (( كل بني آدم خطاء ) ).
ولم يصبحوا كذلك صفحات بيضاء لا أثر فيها ولا نقيضة، كلا ما كانوا كذلك!
كانوا بشرًا تعتمل في نفوسهم دوافع الشر، ويتحركون في الأرض بدوافع البشر، ولكنها دوافع البشر في اصفي حالاتها وأعلاها، دوافع البشر حين يتخففون إلي أقصي حد من ثلة الأرض ، فيصعدون أقصي ما يتاح للبشر من الصعود.
كانوا يعلمون.. فإذا هبطت بهم ثقلة عن المستوى السامق لم يستكينوا للهبوط، وإنما عادوا يعلمون للصعود من جديد.. فيصعدون ويصعدون.
وفي سيرة أبي بكر ـ رضي الله عنه ت أن رجلًا قال لأبي بكر: والله يا أبا بكر لأسبنك سبًا يدخل معك في قبرك ، قال أبو بكر: بل يدخل معك قبرك أنت لا معي!!
صدق ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ فإن المسبوب لا يدخل معه السب، ولكن يدخل السب مع الساب الذي سلط لسانه علي عباد الله. أفيظن هذا الجاهل أنه إذا سب أو شتم أو نال من أبي بكر أن شتمه هذا سوف يدخل مع أبي يكر القبر؟ فهذا جهل، وأي جهل !!