ثم انظر وتأمل جواب أبي بكر عليه (( بل يدخل معك قبرك ولا يدخل معي ) )فقط كان هذا جوابه؟! ولم يقل له: بل سأسبك سبًا يدخلك قبرك! وسأفعل بك كذا!! وسأريك كذا!! الخ، لا بل (( يدخل معك قبرك ) )!
وقول أبي بكر وتصرفه هو الصحيح ، فإن الكلمة العوراء والكلمة الآثمة، والكلمة الجارحة، تكون وبالًا وحسرة وندامة علي من تجرأ وجرح ونال بها من أخيه.
5-إنهاء الخصام والسعي إلي الصلح:
قال رجل لعمرو بن العاص: والله لا تفرغن لك!
قال عمرو: إذن تقع في الشغل!
وهذا هو الحق ، فإن الذي يتفرغ لينال من الناس، ويشتم الناس، ويكيد للناس، هذا لا يكون فارغًا أبدًا! وإنما يشغله الله بالناس!وهذا يضيع عمره في الترهات والتفاهات وما لا ينفع!
وقول عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ هو الصواب، وهو الحكمة ) وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) (البقرة: الآية269) ويروي أهل الحديث أن عامر الشعبي ت وهو من علماء التابعين المشهورينـ قام أمامه رجل وقال له ك كذبت يا عامر!
فقال عامر: إن كنت صادقًا فغفر الله لي ، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك!!
فماذا قال الرجل بعدها يا تري؟!
سكت !! لأن من استطاع أن ينهي الخصام، وأن يجعل للصلح موضعًا، وألا يستعدي الناس خاصة أهل الفضل وأهل المنزلة وأهل الصدارة والمكانة، كان محسنًا علي نفسهن وعلي الإسلام ، وعلي المسلمين.
6-محاسبة النفس:
في مسيرة سالم بن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ أن رجلًا زاحمه في مني، فالتفت الرجل إلي سالم ـ وسالم علامة التابعين ـ فقال له: إني لظنك رجل سوء. فقال سالم: ما عرفني إلا أنت! لأن سالمًا ت رضي الله عنه ـ يشعر في نفسه انه رجل سوء، وهذا صواب لأن المؤمن يرمي نفسه بالتقصير كلما رآها تعالت أو تطاولت أو نسيت، كما أنه يلوم نفسه ويحاسبها. لكن الفاجر والمنافق يزكي أما الناس!
وكان سعيد بن المسيب يقوم وسط الليل ويقول لنفسه: قومي يا مأوي كل شر!
سعيد بن المسيب يقول لنفسه هذا الكلام!! ونحن ماذا نقول لأنفسنا؟ اللهم استرنا بسترك.
وفي قصة ثابتة بأسانيد صحيحة، قام رجل في الحرم أمام ابن عباس ـ حبر الأمة وترجمان القرآن ت فسبه أمام الناس، وابن عباس ينكس رأسه!! أعرابي جلف يسب علامة الدنيا ولا يرد عليه.. وواصل الأعرابي الشتم، فرفع ابن عباس رأسه وقال: أتسبني وفي ثلاث خصال؟!
قال: ما هي يا ابن عباس؟
قال: والله ما نزل المطر بأرض إلا سررت بذلك، وحمدت الله علي ذلك، وليس لي بها ناقة ولا شاة!!
قال: والثانية؟
قال: ولا سمعت بقاض عادل إلا دعوت الله له بظهر الغيب وليس لي عنده قضية!!
قال: والثالثة؟
قال: ولا فهمت آية من كتاب الله إلا تمنيت أن المسلمين يفهمون كما أفهم منها!!
هذه هي المثل العليا التي حملها أصحابه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي رباهم أصلًا علي أسس العقيدة وأخلاق الإيمان، وإلا فهم أمة أمية خرجت من الصحراء، لكنه صلي الله عليه وسلم بناهم شيئًا فشيئًا ، ورصع مجدهم، واعتني بهم، حتى أصبحوا قادة الأمم النبي صلي الله عليه وسلم وقدوة حسنة للناس!
وقالوا في المثل: (( من لك بأخيك كله ) )تريد أخًا مهذبًا كله، لا ، هذا لا يكون.. خذ بعضه، خذ نصفه ، خذ ثلثه، خذ ثلثيه.
فهل وجدت في المجتمع المسلم شخصًا ـ مهما بلغ من الرقي وحسن الخلق ـ أن يكون كاملًا، لا حيف فيه ولا نقص؟! كلا، هذا لا يكون ) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ) (النور: الآية21) .
تجد هذا كريمًا لكنه غضوب! وتجد هذا حليمًا لكنه بخيل! وتجد هذا طيبًا لكنه عجول! لأن الله وزع المناقب والمثالب علي الناس.
من ذا الذي ترضي سجاياه كلها
كفي المرء نبلًا أن تعد معايبه
فإذا عدت معايب الإنسان فاعلم أنه صالحن ولكن بعض الناس لا تستطيع أن تعد معايبه أبدًا مهما حاولت!!
وبعضهم لخيره وصلاحه، تقول: ليس فيه إلا كذا، وهذا هو الخير ، ومن غلبت محاسنه مساوئه فهو العدل في الإسلام. ومن غلبت مساوئه محاسنه ، فهو المنحرف عن منهج الله ـ عز وجل ـ لن الله يزن الناس يوم القيامة بميزان آية الأحقاق النبي صلي الله عليه وسلم يقول تعالي: )أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (الاحقاف:16)