فبين الله في الآية أن لهم مساوئ ، وأنه يتجاوز عنهم ـ سبحانه وتعالي ـ وأن لهم خطايا النبي صلي الله عليه وسلم وأن لهم ذنوبًا، ولكنهم كما يقول الحديث: (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ) ).فبعض الناس ماؤه قليل.. أي شيء يؤثر فيه، قطرة تؤثر فيه! ولكن بعضهم لمحاسنه ومناقبه بلغ قلتين، فمهما وضعت فيه لا يتغير أبدًا لكرمه، وبذله، وعطائه، وعلمهن وسخائه، وفضله، ودعوتهن وخيره، وصلاحه، وصدق نيته غلي غير ذلك من الصفات. وهذا تأتيه أحيانًا نزغات من نزغات الشيطان، لكنها لا تؤثر فيه.
ولذلك يقول ابن تيمه ونقلها ابن القيم عنه في مدارج السالكين: أما موسى عليه السلام فإنه أتى بالألواح فيها كلام الله ـ عز وجل ـ فألقاها في الأرض، وأخذ برأس أخيه يجره إليه. يقول ابن تيمية: أخوة كان نبيًا مثله، ومع ذلك جره بلحيته أمام الناس، ولكن عفا الله عنه!
قال ابن القيم:
وإذا الحبيب أتي بذنب واحد
جاءت محاسنه بألف شفيع
وفي حديث رواه البهقي بسند حسن، قال: (( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ) ).
قال ابن القيم: إلا الحدود ، وهذه عبارة تثبت في بعض الروايات من لفظه صلي الله عليه وسلم فإن الناس متساوون في الحدود، لكن في المسائل التي ليس فيها حدود، فعلينا أن نقيل صاحب العثرة ـ من أهل الهيئات ـ عثرته، وأهل الهيئات هم الذين لهم قدم صدق في الإسلام، وفي الدعوة، وفي الخير، وفي الكرم، وفي الصدارة، وفي التوجيه، وفي التأثير، وهم وجهاء الناس، وأهل الخير، وأهل الفضل، فهؤلاء إذا بدرت منهم بادرة فعلينا أن نتحملها جميعًا، وعلينا أن ننظر إلي سجل حسناتهم، وإلي دواوين كرمهم، ومنازلهم عند الله وعند خلقه.
يقول بشار بن برد:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
ويقول في بيت آخر:
إذا أنت لم تشرب مرارًا علي القذى
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فصاحب أخاك، وتحمل منه الزلة، واغفر له العثرة، وتجاوز عن خطئه.
وكان ابن المبارك إذا ذكر له أصحابه قال: من مثل فلان، فيه كذا وكذا من المحاسن، ويسكت عن المساوئ.
وليتنا نتذكر حسنات الناس ، فما أعلم أحدًا من المسلمين مهما قصر إلا وله حسناته، ولو لم يكن من حسناته إلا انه يحب الله ورسوله المصطفي صلي الله عليه وسلم لكفي.
يؤتي برجل يشرب الخمر إلي الرسول صلي الله عليه وسلم فأمر به فجلد، وكان قد أتي به كثيرًا. فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به. فقال المعلم العظيم صلي الله عليه وسلم: (( لا تلعنوه فوالله ما علمت أن يحب الله ورسوله ) ).
وفي لفظ: قال رجل: ما له أخزاه الله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ك (( لا تكونوا عونًا للشيطان علي أخيكم ) ).
فاثبت له صلي الله عليه وسلم أصل الحب، وهي حسنة، واثبت له بقاءه في دائرة الأخوة الإسلامية، وهذه من أعظم الحسنات، فلماذا لا نتذكر للناس محاسنهم وبلاءهم في الإسلام؟!
إنك لا تجد شريرًا خالصًا إلا رجلًا كفر بالله، أو تعدي علي حدوده، أو أعلن الفجور، أو خلع ثوب الحياء، أو عادي الأولياء والأخيار الصالحين، ونبذ الإسلام وراءه ظهريًا.
ثانيًا: المنهج الإسلامي لنبذ الخلاف
أمثلة تطبيقية:
مرت نماذج خيرة في حياته عليه الصلاة والسلام، سطرها أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ ومن هذه النماذج:
1-الخلاف بين بلال وأبي ذر:
فهذا أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ عير بلابًا بأمه، فشكاه بلال إلي النبي صلي الله عليه وسلم ثم ندم أبو ذر علي ما بدر منه من قول، فوضع خده علي التراب، وقال لبلال: والله لا أرفع حدي حتى تطأه بقدمك! فتعانقا وتصافحا.
2-الخلاف بين المهاجرين والأنصار:
كاد المهاجرون والأنصار أن يقتلوا وذلك بعد الإسلام! وسلوا السيوف ، وتهيئوا للقتال! فخرج عليهم الرسول صلي الله عليه وسلم وقال: (( ما بال دعوى جاهلية ) )ثم قال: (( دعوها فإنها منتنه ) ).
فبكوا ، واسقطوا السيوف من أيديهم ، وتعانقوا فهذه الأخوة المعتصمة بالله نعمة يمتن الله بها علي المسلمين، وهي نعمة يهيئها الله لمن يحيهم من عبادة، وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة ، وما كان إلا خبل الله الذي يعتصم به الجميع، فيصبحون بنعمة الله إخوانًا، وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله تصغر إلي جانبها الأحقاد التاريخية، والثأرات القبلية، والأطماع الشخصية، والرايات العنصرية!
)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ) (آل عمران: الآية103)