فهرس الكتاب

الصفحة 14009 من 27345

ذكر أهل التاريخ بسند صحيح أن الصحابة خرجوا في غزوة بني المصطلق ، وكان لعمر مولى اسمه جهجاه، فقام فاختصم مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبرة، فغضب الأخير غضبًا شديدًا حتى تصايحا، فقال مولى عمر: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار!فبلغت في النفوس حزازات، وأخبروا بها رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول فقال: صدق المثل القائل: جوع كلبك يتبعك، وسمن كلبك يأكلك! لو أنا صرفناهم عن دارنا ما فعلوا هذا، لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.فقال عمر: ائذن لي أن أقتله يا رسول الله، فقال صلي الله عليه وسلم: (( يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ) ).

هذا هو المنهج الصحيح في التعامل مع الخصوم في هذه المرحلة من مراحل الدعوة المباركة، فالنبي صلي الله عليه وسلم عنده منهج دعوى يسير عليه، يريد مصلحة هذه الدعوة، وما عليه من دمه ولا من نفسه، ولا من ماله، ولا من زوجه، ولا من أهله، لأنه يريد للدعوة أن تستمر ، وأن يستفيد الناس، وأن يسمع الناس، وأن يتعظ الناس، وأن يهتدي علي يديه بشر كثير، أما قضية الانتقام الشخصي أو أن يقوم الإنسان ويغضب لنفسه، فليست من صفاته صلي الله عليه وسلم .

ومنع عليه الصلاة والسلام عمرن فأتي عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول فقال: يا رسول الله، سمعت أنك تريد قتل أبي، فإنك أن أرسلت رجلًا لقتل أبي، والله لا تطمئن نفسي أن أري قاتل أبي يمشي علي وجه الأرض حتى أقتله، لكن يا رسول الله ائذن لي أن أهذب الآن وآتيك برأس أبي! والله يا رسول الله لئن شئت لأقتلنه، فإنك الأعز وهو الأذل!!

انظر إلي الإسلام! وإلي عظمة الانتساب إليه؛ فصل بين الولد وأبيه، وهو من صلبه، ومن دمه، من عروقه!

ثم انظر إلي الإيمان الذي تغلغل في أحشاء هذا الصحابي الجليل، وتسرب إلي عروقه ومشاعره، وجري منه مجرى الروح والدم ‍‍!

حقًا، بـ (( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) )يظهر من روائع الإيمان واليقين والشجاعة، وخوارق الأفعال والأخلاق ، ما يخير العقول والألباب ، ويعجز عن تفسيره أهل البصائر والعقلاء.

ويموت هذا الشقي، فيجيء ابنه عبد الله بن عبد الله إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (( إنما خيرني الله فقال: ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ) (التوبة: الآية80) وسأزيده علي السبعين )).

قال عمر: إنه منافق!! فصلي عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم وصلي معه المسلمون. فأنزل الله عليه قوله: )وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (التوبة: الآية84)

ويأتي إلي الرسول صلي الله عليه وسلم متخلفون من المنافقين الذين أساءوا وتركوا الغزو، وخالفوا أمرهن وعصوا الله، فيقول أحدهم: يا رسول الله، إني مريض!فيقول له: صدقت. وهو ليس مريضًا في جسمه، لكنه مريض القلب. ويأتيه الثاني فيقول له: امرأتي مرضت في الغزوة! فيقول له: صدقت. ويأتيه الثالث يقول له: فقير ما استطعت أن أشتري جملًا! فيقول له الرسول صلي الله عليه وسلم: صدقت ، فيقول تعالي: )عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43) .

فماذا أحدث عليه الصلاة والسلام بهذا الخلق؟

جمع القلوب بدعوته، وألف بين الأرواح بحكمته، أتاه أحدهم فقال له: والذي لا إله إلا هو إنك أحب إلي من نفسي!!

وقال الثاني: والله ما ملأت عيني منه إجلالًا له، والله لو سألتموني أن أصفه لكم، ما استطعت أن أصفه من حبي وإجلالي له.

ولقد كانوا رضي الله عنهم يتمنون أن تسيل دماؤهم، وتندق أعناقهم، ولا يشاك رسول الله صلي الله عليه وسلم بشوكة.. هذا هو الحب!

3-الخلاف بين معاوية وابن الزبير:

كان لمعاوية مزرعة في المدينة، وله عمال، وكان لابن الزبير مزرعة بجانبها، ومعاوية آنذاك يحكم ما يقارب العشرين دولة، وابن الزبير راع من رعيته، وكان بينهما حزازات قديمة، فأتي عمال معاوية ودخلوا في مزرعة ابن الزبير ، فكتب ابن الزبير لمعاوية كتابًا ، وكان رضي الله عنه غضوبًا، فقال له:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن الزبير ابن حواري الرسول، وابن ذات النطاقين، إلي معاوية بن هند بن آكلة الأكباد! أما بعد: فقد دخل عمالك مزرعتي، فو الذي لا إله إلا هو إن لم تمنعهم ليكون، لي معك شأن!!

فقرأ معاوية الرسالة ـ وكان حليمًا ـ فاستدعي ابنه يزيد، وكان يزيد متهورًا ، فعرض عليه معاوية الرسالة، وقال: ماذا تري أن نجيبه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت