فهرس الكتاب

الصفحة 14010 من 27345

قال: أرى أن ترسل له جيشًا أوله في المدينة، وآخره عندك في دمشق يأتونك برأسه!!

فقال معاوية: لا ، خير من ذلك وأقرب رحمًا، فكتب معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان، إلي عبد الله بن الزبير بن حواري الرسول، وابن ذات النطاقين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فلو كانت الدنيا بيني وبينك، ثم سألتها لسلمتها لك، فإذا أتاك كتابي هذا، فضم مزرعتي إلي مزرعتك، وعمالي إلي عمالك فهي لك، والسلام!!

وصلت الرسالة إلي ابن الزبير ، فقرأها وبلها بدموعه، وذهب غلي معاوية في دمشق، وقبل رأسه، وقال له: لا أعدمك الله عقلًا أنزلك هذا المنزل من قريش.

ثالثًا: الاجتماع تحت راية الإسلام

إننا نختلف عن سائر الأمم.. فلم نجتمع علي حب الوطن! فالوطنية ليست هي التي جمعتنا، فإن أوطاننا هي كل بلاد المسلمين، وأينما ذكر اسم الله في بلد كان هذا البلد وطنًا لكل المسلمين.

ولم نجتمع كذلك علي دم، فإن الدم دعوة أرضية لم ينزلها الله في كتابه، ولم نجتمع علي لغة، فإن اللغات شتي.

ولكن اجتمعنا علي عقيدة، وعلي مبدأ أتي به محمد صلي الله عليه وسلم وهو (( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ).

هذا المبدأ ، جعلنا نتآخى ونجتمع بعد فرقة وشتات.

إن كيد مطرف الإخاء فإننا

نغدوا ونسري في إخاء تالد

أو يختلف ماء الغمام فماؤنا

عذب تحدر من غمام واحد

أو يختلف نسب يؤلف بيننا

دين أقمناه مقام الوالد

فكلما حدثت جفوة، أو حصل هجر، عدنا غلي الدين، وتذكرنا أننا نصلي الصلوات الخمس، وأننا نتجه إلي قبلة واحدة، ونتبع رسولًا واحدًا ونعبد ربًا واحدًا، ومعنا كتاب واحد، وسنة واحدة، فلله الحمد.

إن ما يجري بين الأحبة من خلاف ـ أحيانًا ـ لا يفسد للود قضية، ولا يغير ما في النفوس، فإن الله يقول: ) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) (الأنعام: الآية112) . فإنه ـ بمشيئة الله ـ يحدث مثل هذا، وفي ذلك من المصالح العظيمة ما الله به عليم.

يقول المتنبي:

لعل عتبك محمود عواقبه

وربما صحت الأجساد بالعلل

ولعلنا نكره شيئًا فيه خير كثير، ونحب شيئًا فيه شر كثير.ولله الحكمة البالغة.

لا تدبر لك أمرًا

فأولو التدبير هلكي

وارض بالله حكيمًا

نحن أولى بك منكا

فلا تكره من أمر الله شيئًا ، (( ورب ضارة نافعة ) ). فأحيانًا تحدث أمور يكون فيها من المصالح العظيمة التي لا يدركها البشر بعقولهم، ولا بتخطيطهم، ولا بتصرفهم!

ومن هذه الأمور ما يكون قوة للإنسان ورفعة، ومنزلة وحماية، وكفارة النبي صلي الله عليه وسلم ودرجة، وكان يحسب هو أنها نقمة، وأنها ضربة له، وأنها كارثة ، فله الحكمة البالغة، ولابد للعبد أن يقول كلما اصبح وأمسي: (( رضيت بالله ربًا،وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبيًا ) ).

وفي سنن أبى داود بسند صحيح: (( من قال رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، وجبت له الجنة ) ).

فإنه ليس بيننا وبين أحد من الناس شجار لأسباب دنيوية، ولا لذواتنا، ولا لأنفسنا، فإن العبد عليه أن يسعى لمصلحة هذا الدين، ولمصلحة الأمة والبلاد والعباد، وأن يسعى لجمع الصف، ونبذ الفرقة، ودرء الفتن عن الأمة حتى تكون الأمة تحت مظلة: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .

اللهم أعصمنا من الزلل، وأنقذنا من الخطل، وأخرجنا من الحادث الجلل.

اللهم ثبت منا الأقدام ، وسدد منا السهام، وارفع منا الأعلام ، وانصرنا بالإسلام.

اللهم انزع من قلوبنا الغل علي الأخوان،والضغينة علي الجيران،والحسد للأقران.

اللهم اغسل قلوبنا بماء اليقين،واسق أرواحنا من كوثر الدين، وأثلج صدورنا بسكينة المؤمنين. سبحان ربك العزة عما يصفون، وسلام علي المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلي الله وسلم وبارك علي نبينا محمد، وعلي آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت