واعلم أنه لم يتفق لشئ من الكتاب مثل هذا الحفظ، فما من كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغير، إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونًا عن جميع جهات التحريف، منع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده. من أعظم المعجزات، وأيضًا أخبر الله تعالى عن بقائه محفوظًا عن التغير والتحريف، وانقضى الأن قريبًا من ستمائة سنة، فكان ذلك أيضًا معجزًا قاهرًا. انتهى كلام الفخر الرازي. [واليوم مضى أكثر من أربعة عشر قرنًا ولا يزال بحمد الله محفوظًا كما أنزل] .
قال القرطبي في تفسيره عن يحى بن أكثم: كان للمأمون- وهو أمير إذ ذاك - مجلس نظر فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم، قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده، فقال: ديني ودين آبائي وانصرف، قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم عن الفقه فأحسن الكلام؛ فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى، قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذا الأديان، وأنت تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني ، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها للوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي، قال يحى بن أكثم فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر،فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله عز وجل، قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قوله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) (المائدة: الآية44) ، فجعل حفظه إليهم فضاع.
قال السعدي في تفسيره: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أي في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله واستودعه في قلوب أمته وحفظ الله ألفاظه من التغير فيها والزيادة والنقص ومعانيه من التبديل، فلا يحرف معنى من معانيه إلا قيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين.
قال في (( زاد المسير ) ): (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: بين يدي تنزيله وبعد نزوله.
الثاني: أنه لبس قبله كتاب يبطله، ولا يأتي بعده كتاب يبطله.
الثالث: لا يأتيه الباطل من أخباره عما تقدم، ولا في إخباره عما تأخر.
وفي خلافة أبى بكر جمع القرآن زيد وعمر بأشراف الصديق، رضي الله عنهم وكان ذلك في أول العام الثاني عشر أما في خلافة عثمان فجمع القرآن زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال عثمان لثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما أنزل بلسانهم ففعلوا، وكان ذلك سنة خمسة وعشرين، وكان نسخًا للصحف التي كتبت في جمع أبي بكر الصديق، رضي الله عنه.
نقل السيوطي عن ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءات حتى قرءوه بلغاتهم على أتساع اللغات، فأدى ذلك ببعضهم تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجًا أنه نزل بلغتهم، وإن كان وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعًا للحرج والمشقة في بادئ الأمر، فرأى أن الحاجة لذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة.
فالقرآن الكريم كتاب الله الخاتم أنزله على نبيه الكريم، وحمله إليه ملك الوحي جبريل وحفظه رب العزة سبحانه، فهم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (الشعراء: 210 -212) ، (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: 192 -195)
فالقرآن أنزله رب العزة جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وكان ذلك في ليلة القدر: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة) (الدخان:3)