هكذا علمهم القرآن, علمهم ربهم سبحانه في كتابه ألا ترتبط دعوتهم حتى بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ترتبط بما جاء به: بدينه، بكتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة مرتبطة بحبل الله المتصل { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا } ، هكذا اعتصموا بحبل الله الواصل بينهم وبين ربهم- عز وجل -، لا يرتبطون بشخص يجعلون التزامهم بالدين بناءً عليه, علَّمهم سبحانه ماذا يصنعون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وعقلها أبو بكر- رضي الله عنه - تمام العقل، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية بنحو ثمان سنين وجاء أبو بكر ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مات فقبَّل بين عينيه وهو أحب الناس إليه وكان أبو بكر أحب الناس إليه, وقال:"طبت يا رسول الله حيًا وميتًا"، ثم خرج على الناس فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:"من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت", ثم تلا قول الله- عز وجل: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [آل عمران:144] , فكانت التي أيقظت في الصحابة- رضي الله عنهم - أنواع الهمم العالية والإرادات الجازمة والعلوم الكاشفة التي عرفوا بها طبيعة جهادهم وما يجب عليهم نحو مصابهم, فانطلق الناس يتلون هذه الآية فتحملوا هذه الصدمة الهائلة بفقدان رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحيله عن الأرض إلى الرفيق الأعلى, وصاروا يدافعون عن الدين ويقاتلون المرتدين, وسبحان الله ما أسرع أن حدثت الردة وبالآلاف، ولم يبق يسجد لله- عز وجل - في الأرض إلا في مسجد رسول الله وفي المسجد الحرام وفي حواثى في بني عبد قيس بالبحرين، ومع ذلك يقف أبو بكر الصديق- رضي الله عنه - تلك الوقفة الهائلة تلك الوقفة التي حفظ الله بها الدين من الانحراف والتي مَنَّ الله بها علينا حتى وصل الإسلام إلينا نقيًا صافيًا بلا تبديل ولا تحريف.
وارتد بعض الناس عن الدين كله، وارتد بعض الناس عن بعض أركانه كمن منع الزكاة، فقاتل أبو بكر الجميع وعزم على أن يقاتل من منع عقالًا كان يؤديه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانشرح صدره للقتال، فعلم عمر والصحابة أنه الحق؛ لأن انشراح صدر أبي بكر- رضي الله عنه - نجم يُهتدى به فانشراح صدر المؤمن للشيء من الحق يجعله نورًا يهتدي به غيره.
وبالفعل قاتل هؤلاء الصحابة- رضي الله عنهم - هؤلاء المرتدين وردُّوهم إلى الإسلام, وأشرقت الأرض بنور دين الله- عز وجل - في جزيرة العرب كلها، وقتل الله مسيلمة الكذاب وطلحة، وانفضت الجموع من حول مدعيي النبوة، وهُدمت مرة ثانية في القلوب عبادة الأوثان، ورجع الناس إلى الإسلام, وأدَّى الناس الزكاة، واستقرت دعائم الملة, فانطلق الصحابة وقد عرفوا وجهتهم, قد عرفوا أنهم خُلقوا للجهاد كما كانوا يقولون في حفرهم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما لقينا أبدًا
صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله عنهم ما بقينا أبدًا.. يعلمون أنهم خُلقوا ليقاوموا الشر والفساد في الأرض, وليعلنوا كلمة الحق, وليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد كما قال ربعي بن عامر لرستم:"إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
فمهما ضاقت الأمور توشك أن تتسع, بل ضيقها علامة اتساعها, وطغيان أهل الفساد علامة قرب هلاكهم كما أخبر- عز وجل: { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } [الأعراف:127- 129] .